
علم الثورة في عمان
بمناسبة مرور ١٠٠ عام على الثورة العربية الكبرى التي قادها المغفور له الشريف الحسين بن علي جرت احتفالية في مدينة العقبة برعاية الملك عبد الله الثاني رفع خلالها علم الثورة على سارية عالية امام منزل الشريف الحسين الذي أقام فيه عند وصوله الى الاردن بعد سقوط مملكته في الحجاز . واليوم يشاهد الاردنيون علم الثورة يرتفع في عمان فوق المؤسسات الرسمية الى جانب علم المملكة ، واذا كان رفع سارية هذا العلم في سماء الاردن قد جاء في اجواء احتفالية رسمية غاب عنها الطابع الشعبي الا انه ينفض الغبار عن حدث تاريخي مفصلي وقع في مطلع القرن العشرين وغير مجرى التاريخ في العالم الاسلامي والعربي وخاصة في المشرق العربي الذي يشكل الاردن جزءا منه .
ويدل ظاهر الحال بان الدولة والحكومة لا تريد احياء الذكرى المئوية للثورة بما يتعدى احتفالية العقبة ورفع راية الثورة فوق المؤسسات الرسمية ، لان أهداف تلك الثورة كانت ( الحرية والاستقلال والوحدة ) ، ولان مجرد رفع هذه الشعارات او تذكير الناس بها في ظل الأوضاع العربية الراهنة يجعلها خارج السياق ومن مصنفات اللامعقول . مع ذلك اجد من حق هذه الثورة على الاردنيين دون سواهم ان يتوقفوا عند هذا العلم الذي ارتفع الى جانب علمهم الوطني وان يقرأوا هذه الثورة بعد ١٠٠ عام من وقوعها ، قراءة بعيدة عن ما يكتب عنها في المناهج الدراسية ، وان يتركوا لأنفسهم الحرية في طرح الأسئلة وتداولها عن كل ما يمكن ان يرمز اليه علم الثورة المرفرف في عمان .
سأحاول ان أسجل بهذه المناسبة بعض ما احتفظت به في ذاكرتي من مفاهيم ومعلومات عن الثورة العربية الكبرى مثل :
١- هذه الثورة قامت ضد نظام حكم الخلافة الذي كان قائما في عام ١٩١٦( الخلافة العثمانية ) وانها تبنت قيام نظام حكم ملكي عربي يمتد من بحر العرب الى جبال طوروس اي الحدود التركية الراهنة . والنتيجة انتهاء نظام الخلافة الاسلامية على يد كمال اتاتورك مؤسس الجمهورية التركية وذلك في عام ١٩٢٤، لكن ( المملكة العربية ) التي نادى بها الشريف حسين لم تقم ، انما أقيمت مكانها ثلاث ممالك ، المملكة العربية السورية في دمشق بقيادة الملك فيصل الاول وأسقطها الجيش الفرنسي ، والملكة العراقية التي أسسها ايضا الملك فيصل الاول وأسقطت بانقلاب ١٩٥٨ العسكري ، المملكة الاردنية الهاشمية التي تعتبر ( وريثة الثورة العربية الكبرى )والتي سيتم الاحتفال بالذكرى المئوية لقيامها بعد ٥ سنوات باْذن الله .
٢- بهذه النتائج تكون الثورة الكبرى قد تحولت الى دولة هي الدولة الاردنية الهاشمية ، وللأجيال ان تعرف بأن مؤسس المملكة الملك عبد الله الاول قد جاء الى عمان من مكة بعد سقوط المملكة السورية ليتخذها نقطة انطلاق لاستعادة دمشق واعادة احياء المملكة السورية التي تضم بلاد الشام كلها ( سوريا ولبنان والأردن وفلسطين ). ولهذا اختار علم المملكة السورية ليكون علم إمارة شرق الاردن ( علم المملكة الحالي ) وكان الملك يعرف ان عمان هي البلقاء التاريخية التي تمتد من سهول حوران حتى الحدود التاريخية لشمال شرق الجزيرة العربية فقد حملت سيارته لوحة كتب عليها ب١ اي ( البلقاء واحد ). وبهذا قال الشاعر مصطفى وهبي التل ( عرار ) :
فإنّافي ربى البلقاء – لا شام ولا نجد
لقد عاش الملك عبدالله الاول ومات هو يسعى الى اقامة ( المملكة العربية ) التي تضم الهلال الخصيب وفي هذا يفهم قراره بوحدة الضفتين في اطار المملكة وومحادثاته الوحدوية التي لم تنجح مع زعماء سوريا ولبنان ، وتابع الملك الحسين رحمه الله هذا المسعى الوحدوي فكان اتفاق الاتحاد الملكي بين مملكتي العراق والأردن الذي انتهى بانقلاب بغداد في عام ١٩٥٨ .
٣- تعتبر الثورة العربية الكبرى الأمثولة التاريخية التي تدل على النوايا السيئة للدول الكبرى ضد العرب ، فلقد خانت كل من بريطانيا وفرنسا العهود التي قدمتهما الى حليفهما قائد الثورة الشريف الحسين بن علي ، وبدل ان تساعده على اقامة وحدة العرب في اطار المملكة العربية تآمرتا عليه بالسر لتقسيم مملكته المنشودة وخاصة بلاد الشام تمهيدا لاقامة اسرائيل واغتصاب فلسطين . وان ما تواجهه سوريا وكذلك العراق من انقسامات واختراقات داخلية وهويات صغيرة مناقضة للهوية الجامعة هي نتيجة ( لسوس القسمة والانقسام ) الذي زرعته القوى الكبرى لتدمير الهوية العربية ، التي جمعت شعوب المشرق العربي في ظل انظمة حكم واحدة طوال التاريخ . وان موقف هذه الدول ( التي تزعم انها اصدقاء لسوريا ) من ما يجري للشعب السوري يعيد الى الاذهان جريمة سايكس بيكو . واذا ما فتشت عن السبب ستجده من اجل مصلحة الكيان الذي زرعوه في قلب بلاد الشام وهو اسرائيل .
هذا عن التاريخ وعن بعض عِبر ال ١٠٠ عام التي مرت على ذكرى الثورة العربية الكبرى . اما الحاضر فهو يطرح السؤال التالي : ماذا تعني هذه الثورة للاردن ؟.
لقد ظهرت في السنوات الاخيرة اقوال تحاول نسف المشروعية التاريخية للنظام الملكي الاردني من خلال فك الارتباط بينه وبين هويته الاساسية والاصلية واقصد الثورة العربية الكبرى تحت مزاعم ان العصر يتطلب اعادة تعريف الهوية وان ذلك يقتضي استبدال مشروعية الثورة بمشروعية الإنجاز ، وفي ذلك خلط متعمد بين ( مشروعية الحكومة التي تقوم فعلا على الإنجاز وبين مشروعية النظام التي تستند الى هوية الدولة الاساسية وبنيتها التاريخية ). صحيح ان الثورة العربية الكبرى لم تعد مشروعا سياسيا او قوميا للملكة الاردنية الهاشمية كما كانت ايام الملك عبد الله الاول وكذلك الملك المغفور له الحسين الذي اطلق على نفسه في العقد الأخير من حياته لقب (الشريف) . الا انها تظل أساس المشروعية التاريخية لنظام الحكم الملكي الهاشمي الوراثي في الاردن ، فهي ليست هوية نظامه فقط انما مبرر وجود الدولة وتأسيسها ، فالاردن هو وريث هذه الثورة التاريخي وهو مظهرها السياسي عندما تحولت من ثورة الى كيان ودولة . فاختيار هوية النظام ( الملكي ) جاء من اختيار قائد الثورة الشريف الحسين بن علي ، للنظام الملكي كهوية (لدولة الوحدة المنشودة ) التي سعى لإقامتها على ارض المشرق العربي ، كما ان ولادة الملكية ، في كل من سوريا والعراق وبعد ذلك الاردن ، مقترنة بصفة البرلمانية ، انما هي تعريف مبكر للطبيعة المتحضرة للنظام الملكي الذي جاءت به الثورة الكبرى كبديل لنظام الخلافة . والمادة الاولى من الدستور الاردني ترجمت ذلك بالنص على هوية النظام كنيابي ملكي .
وفي اعتقادي ان كل هذا لم يأتِ بالصدفة انما كان لحظة اختيار تاريخية لنظام الحكم من قبل قادة الثورة العربية الكبرى الذين التفوا حول الشريف الحسين ( من سوريا والعراق ولبنان وفلسطين ) والذين واجهوا سؤال : ماذا بعد اسقاط الخلافة العثمانية ؟.
اخيرا وبمناسبة مئوية الثورة أسجل هذه الملاحظة : سنحتفل بعد سنوات قليلة بمرور مئة عام على قيام المملكة الاردنية التي استندت الى الثورة العربية وأهدافها وفي المقدمة (نظام ملكي على النمط الغربي ) كما دل التطبيق في بدايات النصف الاول من القرن الماضي في ممالك سوريا والعراق والأردن . وهذا ، من جهة اخرى ، يعني ان عهد الاردن بالنظام البرلماني الملكي يبلغ فعليا حوالي المئة عام .
وبهذه المناسبة فان الانتقال بالملكية الهاشمية الاردنية الى المئوية الثانية بثوب اكثر عصرية اصبح أمرا ضروريا . وذلك اذا ما تبنت الدولة جديا وعمليا نهج الملك عبد الله الثاني الشامل على طريق الاصلاحات الديموقراطية التي تهدف الى تعزيز دور البرلمان في تشكيل الحكومات ودور المعارضة في المراقبة والمحاسبة كما جاء في أوراق جلالته النقاشية . ان التطبيق الفعلي لهذا النهج من شأنه ان يؤسس لمرحلة جديدة راسخة وممتده في عمر المملكة ، والانتقال بها الى عهد البرلمان التعددي الحزبي البرامجي ( اي اقامة ديموقراطية حقيقية على النمط الغربي ولو نسبيا ) فيها معارضة برلمانية ، والاهم من ذلك فيها آلية محاسبة ومراقبة فاعله . مثل هذا الانتقال من شأنه ان يتوج المئة عام الماضية من الملكية بارادة تحويل الاردن الى وريث للأحلام الكبيرة التي ناضل من اجلها رواد العرب الأوائل وفي مقدمتهم الشريف الحسين بن على طيب الله ثراه .
