
عقوبة “المشي على الاقدام”
طالعتنا قبل فترة وسائل اعلام مختلفة حول تشديد الجزاءات المفروضة بقانون السير، ومع يقيني بحسن نوايا واضعي التعديلات الجديدة، الا ان وضعها موضع التنفيذ لم يكن موزفقاً في رأيي، ذلك ان عطوفة مدير السير استعرضها بطريقة اقرب للحماسية (واحترم هذا به) الا انه تجاوز في حماسه ذلك وبشكل فضّ وغير مبرر حدود اختصاصه.
فاذا قلتم بمضاعفة الغرامة قلنا سمعاً وطاعة، طالما اقرت عبر الاطر التشريعية الخاصة بذلك، واذا قلتم بحجز المركبة المخالفة قلنا سمعاً وطاعة، طالما اقرت عبر الاطر التشريعية الخاصة بذلك، واذا قلتم بفرض التوقيف قلنا سمعاً وطاعة، طالما اقرت عبر الاطر التشريعية الخاصة بذلك .. اما ان تضعوا مكان الحجز في (منطقة مقطوعة لا تصل السيارات اليها) ليأتيكم المخالف مشياً على الاقدام لياخذ سيارته؟؟؟؟؟؟؟؟ وليس هذا فحسب، بل “وان تعقد الاجراءات”؟؟؟؟؟؟ ولماذا؟ “حتى يعرف ويعاني”؟؟؟؟؟؟ وكأنني اشاهد احدى المسلسلات الدرامية وارجع في الزمن الى الوراء لايام الحجاج.
مع احترامي لمدير ادارة السير ولجميع العاملين في الدولة الا انه ليس من شأنه ولا من شأن غيره أن يربي الناس خارج اطار القانون .. حتى ضروب التأديب التي يلحقها الآباء بأبنائهم ما كانت لتباح لولا ان قانون العقوبات لدينا اقرها، ليس بشكلا مطلق وإنما وفقاً لضوابطها التي قررها مفهوم نص المادة (62/2/أ) منه، فما بالك بتأديب (اولاد الناس والعالم).
(المشي) وفقاً لما قال مدير السير في تصريحاته الاخيرة عقوبة اضافية .. و(تعقيد الاجراءات) عقوبة اضافية كذلك، طالما كانت مقصودة في ذاتها متضمنة معنى الحرمان والايلام ومستهدفة غاية من الغايات الخاصة بالعقوبات، ومن بينها (الردع الخاص) الذي حاول عطوفة مدير السير الوصول اليه بقوله (حتى يعرف ويعاني) ، ولو اراد المشرع فرض هاتين العقوبتين على المخالفين لفعل .. وليس له ذلك الا باتباع الاطر والمراحل الدستورية التي يمر بها اي تشريع آخر، سيما اذا كان ذلك التشريع (عقابياً).
اخي العزيز مدير السير، لمست في كلامك الحماسة والاخلاص في العمل، سيما بسبب ما تعاني منه بلادنا من حوادث سير مفجعة اتفق معكم في ضرورة مواجهتها بشتى السبل، لكن (في اطار القانون) وليس بما يتجاوز مبدأ المشروعية، والاختصاص عطوفتكم شأنه شأن التقوى .. الا يجدك المشرع فحسب حيث أمرك .. انما الا يجدك ايضاً حيث نهاك.
لمست فيكم الحماسة الشديدة لمواجهة حوادث السير التي يعاني منها وطننا العزيز، والوصول قدر الامكان الى طرقات اكثر أمناً، وعلى يقين تام بحسن نيته فيما قال، الا ان الرجل العام لا يعفيه ان هو سها او أخطأ الدفع بحسن النية، واما وقد قبل ان يكون في موضع المسؤولية فعليه تبعاً لذلك ان يقبل كذلك أن يكون في موضع النقد، وموضع نقدنا هنا انه تجاوز حدود اختصاصه في إنفاذ القانون ليقرر من تلقاء ذاته قانوناً اضافياً يوقع من خلاله عقوبات اضافية ما أنزل بها القانون من سلطان ولا حتى رأيناها في آبائنا الاولين.
حتى عقوبة الاعدام والتي يقررها مشرعو الدول عن اشد الجرائم جسامة وبأشد المجرمين خطورة (ولا اظن مخالفي قانون السير يبلغوا مدّ أحدهم ولا نصيفه)، قرروا كذلك ان تنفذ بأقل الطرق إيلاماً بالمحكوم عليهم، لماذا عطوفتكم؟ لئلا يتضمن الألم في تنفيذ العقوبة عقوبة فوق عقوبة وجزاءً فوق جزاء خلاف العقوبة المحددة قانوناً والمتضمنة الحرمان من الحق في الحياة، ولذلك نجده رسولنا الكريم سيدنا محمد (ص) يقول (اذا قتلم فأحسنوا القتلة، واذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم سيفه، وليرح ذبيحته).
أدرك تماماً حسن نواياكم، الا ان الطريق الطويل الى الديكتاتورية محفوف بأزهار جميلة المنظر عبقة الرائحة من حسن النوايا، وما فرض مبدأ الفصل بين السلطات الذي يضع عطوفتكم في موضع التنفيذ لا التشريع، الا لضمان عدم سلوط هذا الطريق ابتداء، لنضمن ان يبقى أبناءنا في دولة القانون التي نعيشها الآن، او حتى افضل، لا ان نرجع بهم للوراء، ولهذا نكون اول الواقفين في خندقكم حين تفرضوا حكم القانون وتنفذوا كلمته وتدافعوا عنه، الا اننا سنكون اول الواقفين في وجهكم حين تتعدوا حدود وظيفتكم هذه.
ذلك ما كان من أمر اجتهادي في هذه المسألة، ورأيي يبقى صواباً يحتمل الخطأ ورأي غيري يحتمل الصواب، فإن أصبت فمن الله وتوفيقه، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان، فعسى أن أكسب باجتهادي هذا الأجرين لا الأجر الواحد، والله من وراء القصد، وشكراً.