ورشة لغة / يوسف غيشان

ورشة لغة

يطيب لي الإعلان عن النية بافتتاح ورشة لغة ، تهدف إلى تركيب لغة جدية وطازجة كالرغيف ( السُخن ) وأدعو الجميع :باعة الرصيف ، السابلة ، قراء الجرائد وموزعوها ، المفصولون من الأحزاب ، والكتاب الهردبشت ( مثلي ) ، أدعوهم إلى تشكيل فريق وطني للبحث عن مفردات جديدة ، ومفكات بيانية جديدة ، ورونديلات بديعية جديدة ، من أجل أسلوب جديدٍ للتخاطب بين مُحبري الأوراق وقُرائها .
نحن لم نشحذ لغتنا من آخر عكاظ ، ولم نفتح باب الاجتهاد من المستنصر ، وكلّ ما دخل على لغتنا من تجديدات كان رغماً عن أنوفنا المشمخرة ، وبضغط وبمبادرة من الناس .
نريد لغة لا تعرف روكس العزيزي ولا بطرس البستاني ، ولا مجمعات اللغة العربية ، لغة تمدّ لسانها لسيبويه ونفطويه ومشقاته ، لغة لا تنحني للريح ولا للمطر ، لغة تشكّل الهزّات والأعاصير التي يعجز عن رصدها جهاز ” ريختر ” .
لغة لا تأبه لحجم ونوع ومستوى الصلاحيات المعطاة لمدير دائرة المطبوعات والنشر ، لغة تشرب الشيشة في مقهى السنترال ، وتطلب التصليحة في مطعم هاشم … تتسكع في سوق الحراميّة ، وتقرأ الجرائد المشنوقة في كشك ( ابو علي ) مجاناً وتستدين عشرة قروش من أجل شراء ساندويشة ( هنيّة ) من مطعم فؤاد ، تبتلعها وهي تتسكع في مجمع رغدان مع ( كاسة ) شاي من صبي يحمل إبريقا أثقل منه .
لغة لا تأبه بتذبذبات السوق المالي وأسعار الأسهم ، ولا تحمل سلة العملات ، ولا تقرأ النشرة الجوية قبل ان تخرج من باب الدار .
لغة تسبّ بالعربي ، وتحب بالعربي ، وتضحك بالعربي وتبكي بالعربي ، لغة يشكل المبنى والمعنى فيها اقنوماً واحداً ، لغة لا تتابع التمثيلية العربية ، وتكره دعايات التلفزيون وبرامجه الثقافية.
لغة لا تشتكي للبث المباشر ، ولا تقدم عرائض الاستخدام لديوان الموظفين ، ولا تعترف بوزرة الثقافة ، ولا تقرأ كتبها ، لغة مغرورة ، لا تعترف إلا بحالها ولا تقرأ إلا لحالها .
لغة مرفوعة الرأس قوية الشكيمة كجنرال ألماني يختار الانتحار على ان يقع فريسة الأسر ، لغة ترفض المقابلات الصحفية ـ لغة لا تعرف الهامبرغر ولا المايونيز .
لغة لا تأكل إلا ( اللزاقي ) والفطيرة والتشعاتيل والعدس المجروش ، وتلقّط الخبيزة والعلت وجذرية الحمامة كل ربيع . لغة لا تتلمظ إلا بحثاريم اللبن الجميد ، ولا تغمّس خبزها إلا بزيت الزيتون غير منزوع الحموضة .
لغة تشرب السحلب بالقرفة في ساحة الجامع الحسيني .
لغة تنام في الشوارع ، وحين يبرد الجو تشعل النار في ( سحّارة ) خشبية داخل ( تنكة ) سمنة ، وتستدفيء حتى الصباح .
لغة لا تفتش عن الناس ، ولا يفتش الناس عنها ، لأنها هي الناس ، والناس هي .
لغة متفّردة في لغتها ، لغة لا تجيد الخنوع ولا مديح السلاطين .
لغة تنبض لغةً وتفيض لغةً .
لغة لا تعرف ( الكورن فلكس ) ولا مادونا ولا ( كريستيان ديور ) ، لغة تقطرُ بنكهةِ الأرضِ حين يفضُّ بكارتها المطر .
لغة تزين شعرها بالدحنون ولا تعرف ” سيبال ” ولا الزهور الاصطناعية .
لغة لا تعاني من الأنيميا ولا العنَّة ولا الشيزوفرينيا .
لغة تعتمد القلب ، والقلب فقط بوصلةً وقبلةً وملاذاً .
باختصار …. لغة تغني على أوتار الحياة النابضة .
ghishan@gmail.com

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى