سلامة الجهاز المصرفي

سلامة الجهاز المصرفي
أ.د أحمد العجلوني
باحث أكاديمي وخبير اقتصادي

قبل أن أبدأ بموضوع المقال فإنني أذكّر بنقطة غاية في الأهمية وهي: إنه من نافلة القول التأكيد على أن مبدأ الفائدة الذي يقوم عليه عمل البنوك هو الربا المحرّم الذي يعد من الكبائر بإجماع علماء المسلمين في كل العصور. وأن مناقشة أي أمر يتعلق بهذه البنوك هو من باب التعامل مع الواقع اضطرارا وليس من واقع الرضا به وقبوله، والهدف منه السعي لما يقلل الضرر على البلاد والعباد بما يتيسر.
في ظل الإجراءات الاقتصادية التي تقوم بها الحكومة لمواجهة الآثار الناجمة عن أزمة الكورونا، تبرز إجراءات إدارة السياسة النقدية المتمثلة بالبنك المركزي، والتي كانت في مجملها موجهة لتوفير التمويل لمؤسسات القطاع الخاص التي تضررت بسبب الحظر وتراجع الطلب على منتجاتها. وكأي إجراءات متخذة من قبل البنك المركزي كان هناك جدل حول جدوى هذه الإجراءات ومدى التزام البنوك بها في ظل شكاوى متعددة وملاحظات كثيرة حول دور البنوك في المساهمة في مواجهة الأزمة والقيام بدورها الاقتصادي والوطني. وكان من أبرز نقاط الجدل الذي ساقته وجهة النظر المؤيدة للبنوك في عدم مخاطرتها بأموال المودعين، وأنه يجب الحفاظ على سلامة الجهاز المصرفي ومتانته.
تعتبر البنوك من أكثر المؤسسات الاقتصادية خضوعاً للرقابة لعدة أسباب منها حجم الأموال المتاحة لديها من مجموع الأموال المتوفرة في الاقتصاد (يبلغ حجم الودائع في الأردن ما يقرب من 35 مليار دينار أردني)، ثم إن البنوك ذات علاقات شديدة التشعّب والتغلغل في القطاعات الاقتصادية الأخرى؛ بحيث إن أية مخاطرة تتعرض لها ستنعكس على قطاعات اقتصادية كثيرة، وقد تتحول أزماته من مخاطر غير نظامية (خاصة) إلى مخاطر نظامية (عامة) تنعكس على شكل أزمات أسواق مالية أو اقتصادية تؤثر في سعر الصرف والتضخم والبطالة وأسعار الفوائد. ومن الأسباب المهمة التي تدعو للرقابة على البنوك أيضاً طبيعة مصادر أموال البنوك التي تتميز بأنها ذات سيولة مرتفعة من حيث مخاطرة استدعائها من قبل المودعين (وهذا ينعكس بدوره على ضرورة أن تكون استثماراتها قصيرة الأجل) لأن السيولة في البنوك تخدم غرضي تسديد الالتزامات الدورية المعتادة وأنها تمثل “السلعة” التي يجب توفيرها للعملاء، والأخطر من ذلك أن الثقة بالبنك تعتمد بشكل أساسي على السيولة، وإن أي تهديد لسيولة البنك قد يؤدي إلى انهيار البنك في فترة قصيرة.
إن من أهم ما يشغل بال إدارة السياسة النقدية سلامة النظام المصرفي ومتانته المالية؛ إذ تتم مراقبة أداء البنوك بشكل حثيث بمختلف وسائل الرقابة التي يتيحها قانون البنك المركزي للتأكد من ذلك. كما أن البنك المركزي يكون مستعداً في أي لحظة لمد يد العون للبنوك لمساعدتها في حال حدوث أي طارئ قد يهدد المركز المالي لأي منها عموماً والسيولة بشكل خاص. والكل يتفق مع البنك المركزي ويؤازر خطواته في هذا الشأن. ولكن ما قد يكون مجالاً للنقاش هو كيفية النظر لسلامة الجهاز المصرفي، فهل هو هدف من أهداف البنك المركزي التي وردت في قانونه أم وسيلة لتحقيقها؟
إن المؤسسات المصرفية مؤسسات اقتصادية خاصة تهدف للربح مثلها مثل أي مؤسسة قطاع خاص، وإن الاهتمام بسلامتها يجب ألا يتجاوز الحد بالسعي لتحقيق الأرباح دوماً، ويجب أن ينظر إلى خسارة أي بنك كخسارة أي مؤسسة أخرى، بما يضمن حقوق المودعين والأطراف ذات العلاقة طبعاً. فكما أن وزارة الصحة تهتم بنجاح المستشفيات الخاصة وقدرتها على تقديم خدماتها المهمة للمجتمع وتراقب عليها في ذلك، فإنها في الوقت ذاته ليست مسؤولة عن نجاح المستشفيات كمشروع اقتصادي. وبالتالي؛ فإنه يجب التعاطي مع هدف الحفاظ على سلامة الجهاز المصرفي من قبل البنك المركزي على أنه ليس أكثر من “وسيلة” تضمن بأن هذا الجهاز يساهم بشكل فعّال في النمو الاقتصادي، وأن نشاطاته تصب في مصلحة الاقتصاد الأردني، وليس هدفاً نهائياً للبنك المركزي.
إن التأكيد على ضمان سلامة الجهاز المصرفي، وقدرة البنك المركزي على ضبط أدائه بما يحقق أهدافه الرئيسية التي تصب في المصلحة العامة للبلد، ونقد بعض الإجراءات لا يعني بأي حال التشكيك أو الانتقاص من الجهود المبذولة، وإنما التنبيه إلى بعض الجوانب التي يسعى المجتمع للاطمئنان عليها من جهة سلامة المصارف، وحتى لا يلدغ الاقتصاد الأردني من جحر آخر غير جحر “الجلبي” في قضية بنك البتراء التي أضرت بالاقتصاد الأردني وبكل مواطن أردني بشكل عميق ما زلنا نعاني آثاره منذ أكثر من ثلاثين عاماً حتى اليوم. وحتى لا تراودنا كوابيس ما يحدث في لبنان (مع الاختلاف في بعض الظروف بين البلدين). إن من حق كل مواطن أردني أن يطمئن إلى سلامة النظام المصرفي لأننا كمواطنين شركاء في الغرم إن تأذّى هذا القطاع، مع أننا قد لا نكون من المدعوين دائماً للغنائم التي يحققها!
وللتأكيد بأن نجاح الجهاز المصرفي سيكون في مصلحة الاقتصاد، وأنه سيكون في حال جيد في المرحلة القادمة التي يتوقع بأن تكون صعبة، وأن البنك المركزي يضبط أداء المصارف بشكل كامل، فإننا بحاجة إلى تفسير لبعض النقاط التي بدا فيها أن البنوك لم تلتزم مؤخراً بالتعليمات الصريحة المباشرة من البنك المركزي كما في حالتي عدم اقتطاع رسوم على السحب من أجهزة الصرّاف الآلي، وكذلك قيام البنوك بتحصيل فوائد على تأجيل تسديد أقساط القروض. كما أنه لم يتضّح للآن نتائج ملموسة لإطلاق طاقة ائتمانية إضافية للبنوك بقيمة 550 مليون دينار من احتياطي الودائع.
ثم إن هناك أسئلة تحتاج إلى إجابات تتعلق بمتانة النظام المصرفي نفسه، منها على سبيل المثال: هل قام البنك المركزي باختبارات الجهد أو الضغط المصرفي Bank Stress Tests، خاصة ونحن في ذروة موجة من المخاطر العامة؟
ما هو تقييم البنك المركزي لوضع فروع البنوك اللبنانية في الأردن؟ ألا يدور نقاش مثلاً بأنه بات من الضروري التفكير بالمادة 19 من قانون البنوك الخاصة بفروع البنوك الأجنبية التي تتعرض المراكز المالية للمصارف في البلد الأم لمخاطر؟
ما هي إجراءات البنك المركزي الخاصة بضبط التحويلات الخارجية بالعملات الأجنبية ومراقبتها بما يضمن أنه لن يحدث عندنا ما حدث في لبنان؟ (لا أشك أبداً بوجود مثل هذه الرقابة، ولكن حتى يطمئن الناس)
إن قيام البنك المركزي بتوضيح النقاط أعلاه وغيرها من نقاط التساؤل بشكل صريح وشفّاف يدعّم ثقة المجتمع بأن هناك عين ساهرة على أهم ثغر من ثغور الاقتصاد الأردني، وهو جدير بأن ندعمه في كل ما يقوم به لتحقيق أهدافه، خاصة فيما يتعلق بدعم النمو الاقتصادي للبلد.

حفظ الله الأردن وأدام ازدهاره
https://www.facebook.com/ProfATAlAjlouni/ https://twitter.com/Dr_AlAjlouni

مقالات ذات صلة
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى