
شعب الشلوط العظيم!
لقد تغير مفهوم تعريف مصطلح الثقافة التقليدي،فبدل أنّ کان معناه هو أنّ تعرف شيء عن کل شيء فقد صار معناه بالمفهوم الديموغرافي والأيدولوجي الحديث هو ”أين أنا من الآخر“ ، وللإنصاف قبل أنّ أشرع في مقالتي هذه وللأمانة الأدبية من أجل شعبي شعب الشلوط العظيم فقد خرجت للتو من البحث في معاجم وقواميس کل اللغات في العالم عن معنی کلمة شلوط فلم أجد لهذه الکلمة جذراً ثلاثياً أو معنی سوی کلمة الشَّلَطاء وتعني السکين بلغة أهل الجوف وأنکر هذا اللفظ الکثير من علماء اللغة.
ومن حوادث الشلوط لا زال عالقاً في ذهني من إسفنجة ذکريات الطفولة مشهداً لم تغب شمسه عني رغم تقادم السنين ،فذات يوم کان والدي رحمه الله يرتدي طقماً عربيا أصيلاً الدشداش والجبة والشماغ الأحمر معتمراً عقاله المرعز الأسود أبو عطسة، وقد کاد أنّ يطير فرحاً بأول ساعةٍ بيتية اشتراها آنذاك لنا ،فلم يجد سوی طاولة ذات الأربعة عجلات ليصعد فوقها ليعلق الساعة علی الجدار،وکان قد اختار أخي طلال الذي يصغرني بعامين ليثبت له الطاولة بيديه خوفاً من انزلاقها ،فکان من فرط شقاوة أخي ودلال والدي له أنّ قام بدفع الطاولة ليسقط والدي علی الأرض،وسرعان ما نهض والدي من الغضب ليلحق بأخي الذي لاذ بالفرار فيما کنت أنا وأمي قد داهمنا الضحك المعجون بالخوف وکنت أنا کالکبش الذي انطلق أخاه فعاد والدي ليضربني شلوطاً لکن الثوب کان کفيلاً بامتصاص الشلوط حيث انقلب والدي علی ظهره کردة فعلٍ جراء أنه وضع کل قوته في ذلك الشلوط الذي باء بالفشل .
وکانت ساحة مدرسة العال الترابية کباقي مدارس الوطن ميداناً للعبة إسمها لعبة الشلاليط في أواخر السبعينيات ،حيث ينقسم الخصوم لفريقين ويبدأون بممارسة اللعبة الشعبية ربما الخاصة بنا نحن علی وجه الأرض قاطبةً ألا وهي لعبة الشلاليط، وکان سلاح اللعبة هو الحذاء الأعرض بوزاً والأثقل نعلاً ليدمر قفايات الخصوم لدرجة طرحها أرضاً ، ولعل المقاتل صاحب القفا الأعرض کان أشبه بالمدرعة فقد کان يحتاج قفاه أنّ يجتمع علی تشليطه أکثر من ثلاثة صبية.
وللشلوط دلالةُُ أخری حيث صار رمزاً للتاريخ القروي القديم،فحين يتم تداول التعليلة عن حدثٍ ما مهما کان قديما فيسأل أحدهم الراوي قاٸلاً ”هاظ الحchي من متی کان ؟، فيرد الراوي بالطريقة الأردنية ”أوووه هاظ الحchي سنة حرب الشلاليط.
والشلوط هو اکتشافُُ أردني بحت وأتحدی علی أعين الملأ أي اکتشافٍ للأبحاث التاريخية والاجتماعية وحتی المستحاثات العالمية وکتب اللغة بأن هناك آثاراً لهذا الاکتشاف الوطني العظيم والعريق، بدليل أنّ الإنسان الأول اخترع کل أدوات الحرب والقتل بدءاًً من الحجارة ووصولاً للسيف وحتی تم اختراع الأسلحة البيولوجية لکنه لا يعرف عن نعمة قوة الردع بين جنبيه ألا وهي القدم التي تستخدم کقاذفة شلاليط ومدمرة للقفايات التي تحد من تفکير الخصوم من هول المباغتة والمفاجأة.
وإذا کان الغرب بما فيهم الأمريکيون يفخرون باکتشاف اللکمة علی الوجه بقبضة اليد بما يسمی بلغتهم ال Box ويطلقون علی لاعب الملاکمة Boxer ،فإننا الشعب الذي لا يقلهم فخراً باکتشافنا للشلوط بما يعرف بلغتهم ال Kick يعني الرفس ولاعب الشلوط أو الرافس ب ال kicker ، وتعد المبالغة بالکتلة أو العلقة أثناء الهوشة أو الطوشة بکيل الشلاليط بالرفش .
ولعل أولی بواکير الرواية لحدث أي هوشة بأن يقول بطل الهوشة بعد انتهاٸها لرواية الأحداث للساٸلين ”وانا اضربه شلوط علی باب قفاه وانه من صيد امس“ ، من باب أنّ الشلوط هو سلاح الهجوم والردع الأول لشعبنا العظيم ويعد أولی أسلحة الهوشات والطوشات وربما آخرها إذا کانت قد انتهت بفعالية الرفش .
تطور مفهوم الشلوط لدينا ،وبما أنه يحتاج هذا السلاح الفتاك من قبل المهاجم قدماًً أقوی وحذاءً أضخم کذلك يحتاج في حالة الدفاع إلی قفا أعرض وأروم وأکبر ، وعليه فقدت انسحبت لعباتنا السياسية بمفهوم أوسع فقد انتقل مفهوم الشلوط من باحات المدارس وساحاتها ليعم کل مفاهيمنا السياسية ، فحين نقوم نحن شعب الشلوط العظيم بانتخاب الوجاهة وابن القبيلة وصاحب النفوذ والمال ويذهب إلی فردوس العبدلي الذي يقلبه جحيماً فيما بعد علينا فإننا نحن من منحه قوة القدم وسلحه بحذاء کالبسطار العسکري وأدرنا له ظهورنا وقفياتنا ليسلخنا بشلاليط القرارات المجحفة دون توقف ودون أدنی مراعاة، وکذلك في حالة الانفصام الکبيرة بين الشعب وصناع القرار الذين يمتلکون أقدام السلطة وأحذية القوة التي صمموها لتتناسب مع قفياتنا أضعاف الأضعاف فهو شلوط ربما لا يری ولا يسمع ولا يبصر.
إذا کانت الصين تفخر بسورها العظيم وأمريکا تفخر بسلاحها النووي والبيولوجي وروسيا بغواصاتها ومدمراتها وأساطيلها العظيمة وکذلك بريطانيا بتاريخها الاستقلالي الحر منذ الأزل فإننا نحن لسنا أقل منهم اکتشافاً أو فخراً بأننا شعبُُ من باب التمايز الثقافي عن الآخر فإننا وبکل فخر نحن شعب الشلاليط العظيمة والقفيات البليدة الرويمة

