“بياضٍ بالشعر مو شيب.. هذا حكمك القاسي” (فلكلور عراقي)
أصبح لدي مثل كثير من الناس المتزنين، “كرش” صغيرة، تساعدني على الظهور بشكل أكثر اتزان و وقار في المناسبات الخاصة والمواصلات العامة، “بطن” بارزة قليلاً إلى الأمام، تعطيني شعورا بالثبات قدأحتاجه لوضعية “ع الواقف” في باص “الداخلية-صويلح”.كرش تسهّل لي الحصول على انطباع أول مريح في كل لقاءات التوظيف التي كنت أذهب إليها هاشا باشا والتي عادة ما تنتهي بـ: بنتصل فيك ان شالله”.
صحيح أني لم أعتد عليه في أول الأمر، كنت خفيفا مثل ورقة ملاحظات، سهل الثني، وإذا ما دعاني أحد أصحابي إلى منسف؛ أقوم عن “سدري” كأن لم أقربه، وصحيح أيضاً أني كنت أذا “أشّرت” لسرفيس ووقف بعد القمر بأمتار، لا أجد صعوبة في الوصول إليه كأبي الحروف، وإن أُمطِر الناس، وتحولَت شوارع وسط البلد إلى مستنقعات عِدائية، مجهولة العمق والرائحة؛ صار بمقدوري التقافز كجرادة بين حوافها إلى أن أصل بغيتي غير آسف على أطراف و “شراشيب” بنطالي المهلهل..
هناك مزايا عديدة خسرتها مع حصولي التدريجي على كرشي الجديد، منها ndash;وهي الأهم على الإطلاق- نومي المريح الذي كنت أجيده على أي جهة كانت، في حين صرت مجبرٌ على النوم ضمن خيار واحد ووجهة واحدة، تماماً كقوانين الانتخاب الأردنية من التسعينات..
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، صار علي إيجاد إجابات محددة وسريعة لأسئلة زوجتي وانتقاداتها التي باتت تخفف من حصة الطعام المحددة في طبقي؛ قائلة : هناك مشكلة، ويجب فهمها.. “إنت صاير بطيني” جِد حلاً..
مع هذا التطور المخيف، بات عليّ فعلا إيجاد حل مُجدٍ، لجأت إلى الساونا، وحمامات البخار، ومشاركة الحوامل في مشيهنّ على رصيفهن الشهير.. لكن لا جدوى، “كرشي” الصغير صار أكبر، وعلاقتي مع الناس من حولي أخذت بالتشكل مرّة أخرى ضمن الوضع الجديد.. جارنا أبو محمد لم يعد يركب معي في ذات المصعد؛ بالأخص حين يكون أبناؤه الصغار برفقته، أمين البواب، لا يغسل المرسيدس الجديدة باهتمام كما كان يفعل مع “اللادا” السابقة، حماتي لم تعد تدعوني إلى غذاء في بيتها؛ وإن فعلت فإنها تتصيّد أيام انشغالي فتتصل بزوجتي لدعوتها رفقة الأولاد.. حتى السماء حين تمطر، فإن البلل يطال الجميع، إلا أنا، أظل جافاً خلا العرق الذي ينقع قميصي فأنسحب إلى البيت يقتلني الغيظ.. إلخ
ما عدت أدري مالذي يحدث.. كل ما أفعله صار مصدر قلق لي.. كرشي الذي كان يحكّني في صغره؛ صرت معتادا عليه، والعيون التي كانت تتملقني في السابق، تتجاهلني عني الآن “بقرف” كأني جرذ أجرب، تبدلت معارفي، ولا ألتقي أصدقائي الجدد إلا في العتمات البعيدة، وفي جماعات صغيرة.. سألت أحدهم : كل هذا اللي بصير معي من الكرش؟ ”
أجاب : “بياض بالشعر مو شيب” لأنك صرت فاسد يا كبير”
أقول قولي هذا
