
سيرة تمشي على أربع عجلات!
بقلم عبير ماجد الزبيدي
معلمة اللغة الإنجليزية(مدرسة مالك بن أنس ـ إربد)
في بيتنا، لم تكن السيارة وسيلةَ نقل… كانت سيرةً تمشي على أربع عجلات، ومشروعَ تنقيبٍ أثري في آنٍ معًا.
سيارة والدي الـ Opel الألمانية القديمة لم تكن معدنًا ومحركًا فحسب، بل أرشيفًا حيًّا ومكتبةً متنقلة. تحت المقعد الأمامي قد تجد قصاصةً مترجمة من Herald Tribune عن الصراع القادم في بحر الصين الجنوبي، وبجوارها مقالًا عن المركز القانوني الدولي الراهن لمدينة القدس والاستيطان والمستوطنات، وأوراقًا عن صحافة التضليل وثورات الاتصال والمكتبات الرقمية والقانون الدولي الإنساني. هي التخصصات ذاتها التي درسها والدي من البكالوريوس حتى الدكتوراه، وحاضر فيها لأكثر من ربع قرن في جامعاتٍ عدة، ومنها جامعات غزة عام 2001 تحت القصف شبه اليومي لطائرات المقبور شارون؛ لأنه لم يكن يعترف بالحواجز، لا في الطريق ولا في الفكر.
وفي الصندوق الخلفي، كراساتٌ وكتيباتٌ نام بعضها سنوات حتى تلاصقت أوراقه من الرطوبة، وبجوارها أكياسٌ صغيرة مملوءة بحب البازيلاء الهنغارية وعباد الشمس والبامية والقِثّة؛ فقد اعتاد أن يزرعها في مزرعته جنوب الحصن منذ عام 2006 حتى الآن. الرجل الذي يحاضر في القانون الدولي صباحًا، يحرث الأرض مساءً، كأن المعرفة عنده لا تكتمل إلا إذا لامست التراب.
كان يروي لنا ونحن صغيرات: “وُلدتُ في الأول من كانون الثاني/يناير، في ليلةٍ شديدة المطر، في بيتٍ من الشعر في بطن جبل”. نشأ بين الخيام وسفوح الجبال والأودية، يعشق الطبيعة بلا حدود. كان يمشي في الصفوف الابتدائية ذهابًا وإيابًا من بيت الشعر إلى المدرسة، لم يكن مشيُ والدي في الجبال مجرّد انتقالٍ من سفحٍ إلى آخر، بل كان فعلَ انتماء. كان يسير كما يسير شعراء العصر الرومانسي في قصائدهم؛ لا بحثًا عن طريقٍ أقصر، بل بحثًا عن معنى أعمق. كانت خطواته حوارًا صامتًا مع الأرض، وكأن كل حجرٍ يعرف اسمه، وكل نسمةٍ تحفظ سره. كما كان William Wordsworth يرى في التجوال بين التلال صفاءً للروح، كان والدي يجد في السفوح راحةً لا تمنحها الجدران. لم يكن يمشي ليصل، بل ليتذكّر من يكون. وهكذا، بدا وكأن المشي عنده ليس عادةً يومية، بل فلسفةً غير معلنة: أن الطريق جزءٌ من المعنى، وأن الحرية تبدأ بخطوة. ولا يزال يجهل لماذا اختاره مربي الصف الأول عريفًا، وكيف كان ينال الترتيب الأول على زملائه، مع أن أحدًا من والديه لم يكن يقرأ أو يكتب، ولم يكن حوله من يساعده على القراءة والكتابة. ربما لذلك لم يعترف يومًا بالمسافات، ولم يحب الحواجز أمام عقله وناظريه، ولم يعرف المجاملة بغير حق. وربما ورث شيئًا من والده الذي كان شارداً في الجبال نهارًا ليعفي نفسه من الجندية، إذ كانت والدته وشقيقاته ومواشيه بحاجةٍ إلى حامٍ وراعٍ وكفيل، بعدما دخل أشقاؤه جميعًا إلى الخدمة العسكرية.
وحين قرر والدي – فجأة وبدون سابق إنذار – أن “ينظّف” السيارة، ظننا أنه سيغسل الغبار عن المقاعد، فإذا بنا نكتشف حضارةً كاملة مدفونة تحتها. ثلاثةُ مئةٍ وخمسون مسمارًا كأنها بقايا معركة، واثنا عشر حذاءً بلا أزواج واضحة – يبدو أن السيارة كانت تؤمن بفكرة التعدد – وكرتونة كتب تنتظر قارئًا منذ العهد العثماني، وخمسٌ وأربعون قطعة قماش تؤدي أدوارًا مجهولة في مسرح الفوضى، إضافةً إلى خشبٍ وحديدٍ يصلحان لبناء كوخٍ صغير في المُزيرعة.
المشهد لم يكن تنظيفًا، بل اعترافًا صريحًا بأن السيارة لم تكن تُهمَل… بل كانت تُستَخدم كمستودعٍ للأفكار المؤجلة. كل مسمار فيها كان يقول: “سأصلح هذا لاحقًا”، وكل حذاءٍ يهمس: “سأبحث عن فردتي غدًا”، وكل كتاب يصرخ: “سأقرأك يومًا ما”. لكنها تلك الـ “يومًا ما” التي لا تأتي أبدًا. السيارة تحولت إلى مرآةٍ دقيقة لشخصٍ يركن التفاصيل جانبًا، ويؤجل الترتيب حتى يتراكم عليه الحديد والخشب والوعود.
والطريف أن إهمال السيارة لا يتوقف عند حدودها المعدنية؛ هو فلسفة حياة كاملة. فمن يعتاد أن يقود فوضاه كل يوم، سيتصالح معها في أشيائه الأخرى أيضًا. سيؤجل المكالمات، ويؤخر الإصلاحات، ويكدّس الاعتذارات كما يكدّس المسامير. السيارة هنا لم تكن ضحية الإهمال، بل شاهدةً عليه… دفتر يومياتٍ على أربع عجلات.
ومع ذلك، لا يسعنا إلا أن نحبه وهو يخرج من السيارة قطعةً قطعة، مذهولًا كأنه يراها لأول مرة. لعلّ التنظيف لم يكن للسيارة فقط، بل كان لحظة مواجهة خفيفة مع الذات: أن الفوضى الصغيرة، إن تُركت، تصير حذاءً زائدًا ومسمارًا ضائعًا وحياةً عاصفةً لا خزانةً مرتبة. وهي أحيانًا تشبه الروح الرومانسية القديمة؛ أن تفضّل اندفاع العاطفة على نظام الأدراج، لكنها لا تعني غياب النظام بقدر ما تعني انشغال الإنسان بعالمه الداخلي أكثر من التفاصيل المادية حوله.
وحين أتأمّل هذه الصورة، أرى في والدي شيئًا من روح شعراء العصر الرومانسي، بكلِّ تمرّدها واندفاعها. تلك الروح التي أحبت الطبيعة حتى غدت مرآتها، وتمردت على القيود كما يتمرّد النهر على ضفافه، لا ليهدمها، بل ليعلن حريته. كانت ترى في الجبال والبحار صدىً لقلقها الداخلي، كما كان والدي يرى في سفوح الجبال وبيوت الشَّعر جذورًا ضاربةً في عمق الأرض لا تنقطع. كلاهما لا يحتمل الحواجز؛ أحدهما يثور في القصيدة، والآخر يثور في الحياة. وكأن والدي — دون أن يدري — يعتنق فلسفةً رومانسيةً صغيرة: أن يكون الإبداع أولًا، وأن يأتي الترتيب لاحقًا… حين تسمح الظروف.
سيارته الفوضوية تشبه قصيدةً رومانسية طويلة: صورٌ متزاحمة، أشياء متراكمة، اندفاعٌ لا يعترف بالهوامش. لكنها في عمقها تحمل نظامًا داخليًا لا يراه إلا من يعرف صاحبها. فوضاه ليست غيابًا للمعنى، بل فائض معنى. ليست عجزًا عن الترتيب، بل انحيازًا للحياة وهي تتدفق بلا قوالب.
وكان يقول كلما علّقنا على حال السيارة: “أنا من أرفع قيمة السيارة، وليست هي التي ترفعني”. وكأنه يلخص فلسفته كلها: الإنسان أكبر من أشيائه، والروح أوسع من ترتيبها.
يمكن كل هذه الحكاية لم تكن عن المسامير ولا عن كل حذاءٍ ينتظر فردته كما تنتظر بعض قراراتنا اكتمالها. الفوضى ليست عيبًا دائمًا، لكنها حين تطول تصير أسلوب حياة؛ تتسلل من السيارة إلى المواعيد، ومن المقعد الخلفي إلى تفاصيل الأيام.
واليوم، بعدما خرجت السيارة أخفَّ وزنًا وأقرب إلى شكلها الحقيقي، خرج والدي أيضًا بابتسامةٍ خفيفة تشبه اعترافًا صامتًا بأن الترتيب ليس تنظيف معدنٍ فحسب، بل تنظيف عادة.
وإن كنتُ قد بالغتُ قليلًا، وسخرتُ أكثر مما ينبغي، فذلك ليس تمرّدًا… بل لأن والدي طلب مني أن أكتب.
