
عن الكتابة
لم تكن الظروف ولم تكن المشاغل وحدها ، التي منعتني من الكتابة في الأيام الماضية ، وليس ضياع الأفكار وتشتتها ، ما منعني بشكل دقيق هو حالة من الغضب وحالة أخرى من القرف وحالة ثالثة من الملل.
منذ سنوات ونحن نكتب مقالات متشابهة في كل شيء وفي أي شيء ، نكتب بحروف الوجع ونزين الجمل بعلامات ترقيم من الألم ، نبدأ بمقدمة هزيلة تشبه أكتافنا وننهي مقالاتنا بجمل أشبه بالمقطوعات الحزينة والموجعة.
منذ سنوات نكتب بحرقة ونصيح بمرارة ولا أحد يسمع كما لا أحد يقرأ ، نشير إلى دماملنا ولا أحد يلتفت ، كتاباتنا صارت فراغا يحلق في فراغ ، وصوت صفير قطار المستقبل الذي لا يتوقف في محطاتنا البائسة يسير بقوة فيغطي دخانه الكثيف على أحلامنا.
منذ سنوات نكتب عن الفساد وكأننا نكتب عن أناس من الفضاء ، أو ربما نكتب عن حضارة بائدة لم يعد لها وجود ، وفي كل مرة نكتب فيها يزداد العفن على أطراف الطريق ويجحرنا الفساد بأعينه الوقحة قائلا ” غصبا عنك باقي” وكأنه ثأر يتفشى في أوصال الشرفاء ويتمادى على عورات البلد مستبيحا الأحلام والأمال ولقمة العيش الكريم.
وها أنا أكتب اليوم … لا من فراغ … ولا من فسق … ولا من زهق … ها أنا اكتب اليوم من قلق … ومن اختناق وحشرجة.
وسأكتب … وسأبقى أكتب … إلى أن يصير الورق منجنيقا … وتصبح الحروف سهاما .
سأكتب عنكم أيها الفاسدون … يا استثناء العمر … ويا غلطة الزمان … يا كمبرس الحياة … يا وهم الحقائق.
سأكتب عن حقنا المسلوب …. فنحن أصحاب الحلم وأصحاب الدار.
المحامي خلدون محمد الرواشدة
Khaldon00f@yahoo.com


