
سميح مسعود… غاب عاشق حيفا
د. أيوب أبودية
لم يكن رحيل الدكتور سميح مسعود في عمّان، في الخامس والعشرين من شباط 2026، مجرّد خبر حزين، بل شكل نقصا جديا في نسيج الذاكرة الفلسطينية، فكأن اسما سُحب من فهرس المكان الفلسطيني، أو نافذة أُغلقت في بيتٍ قديم ظلّ مفتوحا على الحكاية عقودا طويلة.
لم يكن سميح مسعود كاتبًا يعبر فوق الأمكنة، بل ساكنًا فيها. لم يكتب عن حيفا وبرقة بوصفهما جغرافيا غائبة، بل ككائنين حيّين يتنفسان في اللغة وفي أهلها. في ثلاثيته «حيفا… برقة: البحث عن الجذور» لم يكن يبحث عن الماضي، بل كان يُعيده إلى الحاضر، ويمنحه حق البقاء. كتب كمن يخشى أن يتأخر، وكأن الزمن يطارده ليُسقط من الذاكرة اسمًا آخر.
كان أسلوبه شديد البساطة، لكنه بسيطٌ ثاقب، يُصيب القلب بلا زخرفة. لا بلاغة متعالية، ولا خطابا صاخبا، بل جُمَل تتمختر بروية، وتترك أثرها طويلًا. كان يعرف أن الحكايات الكبيرة لا تُقال بصوتٍ عالٍ، وأن أكثر ما يُخيف النسيان هو الهدوء الصادق.
كان مسكونا بالتفاصيل التي لم تكن حنينا، بل مقاومة. أسماء الشوارع، رائحة البيوت، أدراج حجر عجلون في حيفا ومدرستها، موائد الجدّات، وأسماء العائلات… كلها كانت عنده خطوط دفاع أخيرة في وجه المحو والتهجير والأبادة. وحين حمل معه قبضة تراب وقطعة نافذة من خشب بيته في حيفا، أراد أولاده أن يتذكّروا، وأن يسعوا للعودة. كأن يرغب في أن يدفن بجانب أميل حبيبي، ولكن شاءت الاقدار أن تحتضن سحاب جثمانه، ولكن روحه ستحقق طموحه لا ريب.
في منفاه الكندي، لم يتحوّل إلى كاتب شتاتٍ تقليدي، بل إلى شاهدٍ إنساني على المأساة الفلسطينية. جعل من مونتريال مساحةً للحوار مع زملائه أبو جميل المأدبي وفادي اللبناني ، وجعل من الثقافة جسرا، ومن الترجمة فعل اعتراف متبادل. هناك، لم تكن فلسطين شعارا، بل قصة مؤثرة تُروى بهدوء.
ورغم حضوره العميق في الأدب، ظلّ الجانب الاقتصادي حاضرا: مفكّرًا نقديًا، ومشاركًا في بناء معرفة عربية حول التنمية والوحدة والأزمات، واضعا الإنسان في مركز المعادلة، لا على هامشها.
برحيله، نفقد أكثر من كاتب: نفقد حارسا أمينًا للذاكرة، آمن أن ما لا يُكتب يضيع، وأن الحكاية إن لم تُروَ تموت مرتين.
سلامٌ عليك، وعلى الأمكنة التي أنقذتها من النسيان بالكلمات،
وعلى ذاكرةٍ وطن ظلّ يدوّنها حتى اللحظة الأخيرة.




