دِسباسيتو… بَسباسيدو!!! / د . ناصر نايف البزور

دِسباسيتو… بَسباسيدو!!!

دولةٌ فقيرةٌ مُفلسةٌ مثل بورتِريكو يخرج منها فنّان يحترف الغناء ليُغنّي أغنية بسيطة في قيمتها الأدبية؛ قصيرة في مدّتها الزمنية؛ سافلة في محتواها الأخلاقي فتحصد مليارات المشاهدات و الدولارات…
المغنّي Fonsi صدحَ بأغنية دِسباسيتو (Despacito) باللغة البورتوريكوية/الإسبانية و التي تعني (Slowly) بالإنجليزية أو (ببطئ) بالعربية؛ فحرّك “بسرعة البرق” اقتصاد بلاده السياحي المُنهار… و حرّك قلوب و مشاعر البشر المليار بعد المليار… فيما لم تحرّك أيّ من أغانينا سوى ضحكات العالم على جمودنا و انتكاساتنا الواحدة تلو الأخرى آناءً من الليل و جميع أطراف النهار… 🙁 كيف لا ونحن أصحاب المغناة النارية “عودي عليِّ بسرعة القصف كالبرق… عودي ترى الفرقة هدّت حياتي…” 🙂
و حتّى لا يُساء بنا الظنّ كما هو مُعتاد من أصحاب القلوب “الوسخيتو” و الذِمم “الواسعيتو” من الذين لا يرجون لقاء ربّهم و لا حتّى زيارة “بيتو”، فنحن نقول بوضوح تام: لا للمثلية… لا للمجون… لا للإباحية…لا للإلحاد… لا للحرام… و لكن قضية انتشار ديسباسيتو أعمق من هذا بكثير؛ فعشرات الآلاف من الأفلام الإباحية الفاضحة تماماً للمثليين و غير المثليين لا يمكن أن تحقّق عُشر ما حققته هذه الأغنية… 🙁 يا جماعة دعونا لا نغفل الأبعاد الحقيقية لنجاح الأغنية و دلالات ذلك بدلاً من التركيز بالمطلق على هبوطها الأخلاقي الذي لا خلاف فيه…!!! فالفن و الغناء في غالبه في بلاد المسلمين أكثر هبوطاً و انحطاطاً من دسباسيتو و مع ذلك فهو لم و لن يحقق للأوطان شيئاً سوى العهر و السقوط…
ففي بلادنا مثلاً ما زال الناس يُعوّلون على إحدى السوأتين بدلاً من إحدى الحُسنيين:
السوأة الآولى: تصميمنا على التمسّك بفوضى الفن و هبوطه المهني كمنهج حياة كما هو الحال في معكوس دِسباسيتو (ببطئ) أي (اطيار… اطيار) كما في أغانينا: “يا شوفير ادعس بنزين… عَلميِّة و تسعه و تسعين” ، و “يا شوفير دوس دوس… الله يبعثلك عروس” لأنّنا شعوب تؤمن بالسرعة القصوى و العجلة في كلِّ شيء…. يعني بالإسباني (Rápido) في التعليم… و Rápido في التخطيط…و Rápido في السياسة… و Rápido في الزواج و في الطلاق… و Rápido في جميع الانفعالات 🙁 فيكون حظّنا و نصيبنا من الفشل Rápido…Rápido…Rapido تماماً كالطلاق ثلاثاً… فنصف الأردنيات على فراش الزواج يتم تطليقهنّ بالثلاث عشرات المرّات يومياً و مع ذلك تستمرّّ الحياة “دسباسيتو” بالحلال 🙂
السوأة الثانية: تصميمنا على التشبّث بالنفاق و المحسوبية و تقديس الأشخاص و “تبويس” الأيدي و اللحى و تأليه المسؤولين و جعلهم أرباباً للحصول على ما نريد…حتّى غدت أحوالنا و سلوكيّاتنا تتميّز بالجمع بين Despacito و Rapido… فنكون قد انتهجنا سياسة “بس.بوس.ايدو” أي(بَسبُسيدو) على طريقة التنغيم الإسبانية… فنحن أصحاب الملكية الفكرية الحصرية المتمثّلة في أغنية “بَس.ارفع.ايدك”… لأنّنا نعتقد أنّ حلّ جميع مشاكلنا بيد المسؤول؛ فبمجرّد أن يُؤشِّر بيده أي “بس.ارفع.ايدو” تزول جميع الهموم كما يقول عبد الله رويشد “و إذا ما مِسح بيدوو.. عنّي يزووول الباس…. كذب اللي يقولونه قدرة المسؤول لها مقياس 🙁 أقصد كذب اللي يقولونه المحبّة لها مقياس… 🙂
فعلى حكوماتنا التحرّك بجد و بسرعة Ràpido لإيجاد حلول لمشاكلنا الإقتصادية بجميع الطُرق المشروعة قبل أن يُغنّي الشعب بعض أغانيه المؤلمة مثل: “لعنتوا.سلسَفيتو”… أو “الشعب.انخرب.بيتو”… أو “الوطن.نهبوا.فوسفيتو”… أو”البلد.ضاع.وانتو.ما.دريتو”!!!
في كل الأحوال فقد تُحقّق مثل هذه الأغاني أرباحاً خيالية تفوق عائدات أغنية “دسباسيتو” الهابطة… 🙂 أو على الأقل سيصبح الشعب يتكلّم اللغة الإسبانية و الإيطالية قَريتوا.ولاّ.ما.قَريتوا… 🙂 و الله أعلم و أحكم

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى