دروس وعبر في شهر الصبر

دروس وعبر في شهر الصبر – ماجد دودين

الحمد لله الذي بلّغنا شهر رَمَضَانُ، شهر نزول القرآن… والجود والإحسان… وشهر العتق من النيران … الشهر الذي تفتّح فيه أبواب الجنان… وتغلّق أبواب النيران …وتصفّد الشياطين ومردة الجان.

في هذا الشهر صيانة سنوية شاملة للقلب والعقل والروح والجسد وتدريب على الطاعات… تَرَى الطَّعَامَ أَمَامَكَ، وَنَفْسُكَ تَشْتَهِيهِ، وَيَدُكَ تَنَالُهُ، ثُمَّ لَا تَأْكُلُهُ امتثالا لأمر الله تعالى. وَيَلْتَهِبُ الظَّمَأُ فِي صَمِيمِكَ، وَالْمَاءُ مِنْ حَوْلِكَ، ثُمَّ لَا تشرب. وَيَغْشَاكَ النُّعَاسُ قبل الفجر …ويأتي شهر رَمَضَانُ لِيُوقِظَكَ لِلسُّحُورِ.

إِنَّهَا دُرُوسٌ فِي الصَّبْرِ وَالثَّبَاتِ. فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: التَّسبِيحُ نِصفُ المِيزانِ، والحمدُ للهِ يَملؤُهُ، والتَّكبِيرُ يَملأُ ما بين السماءِ والأرضِ، والصومُ نِصفُ الصَّبرِ، والطُهورُ نِصفُ الإيمانِ.

مقالات ذات صلة

هذا حَديثٌ عَظيمٌ، وأصْلٌ مِن أُصولِ الإسْلامِ، يَذْكُرُ فيه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليْه وسلَّمَ ما يُهِمُّ المُسْلِمَ في حَياتِه وآخِرتِه، حيثُ يقولُ: “التَّسْبيحُ نِصْفُ الميزانِ”، وهذا يَحتمِلُ أنْ يَكونَ المُرادُ به: قَوْلَ (سُبْحانَ اللهِ)؛ لأنَّه مُسَمَّاه، لا مُطْلَقُ التَّنْزيهِ بِأيِّ عِبارةٍ، ويَحتمِلُ أنَّ المُرادَ به: معْنى التَّنْزيهِ والثَّناءِ بأيِّ عِبارَةٍ. “والحَمْدُ للهِ يَمْلَؤُه”، أي: قَوْلُ جُمْلةِ (الحَمْدُ للهِ)، أو إثْباتُ الكِبْرياءِ للهِ بِأيِّ عِبارَةٍ يَمْلَأُ الميزانَ بِالأجْرِ والثَّوابِ. “والتَّكْبيرُ يَمْلَأُ ما بيْنَ السَّماءِ والأرْضِ”، أي: إنَّ أَجْرَ ذِكْرِ اللهِ بِالتَّكْبِيرِ وقولِ (اللهُ أكْبَر) يَمْلَأُ ما بَيْنَ السَّمواتِ والأرضِ. “والصَّوْمُ نِصْفُ الصَّبْرِ”؛ لأنَّ الصَّبْرَ حَبْسُ النَّفْسِ على ما أَمَرَ اللهُ أنْ يُؤَدِّيَه، والصَّوْمُ حَبْسُها عن شَهَواتِها، ومَن حَبَسَ نفْسَه عنْها فقد أَتى بنِصْفِ الصَّبْرِ، فإنْ صَبَرَ على إقامةِ أَوامِرِه فقد أَتى بِكمالِ الصَّبْرِ. “والطُّهورُ”، وهو: الوُضوءُ، والطَّهارةُ أصْلُها النَّظافةُ والتَّنَزُّهُ، “نِصْفُ الإيمانِ”، والمُرادُ: أنَّ الأجْرَ في الوُضوءِ يَنْتَهي إلى نِصْفِ أَجْرِ الإيمانِ؛ لِمَا في الإيمانِ مِن نَظافةِ النَّفْسِ والقَلْبِ، ولِمَا في الطَّهارةِ مِن نَظافةِ الجَسَدِ.

وقال صلى الله عليه وسلّم: (الطُّهُورُ شَطْرُ الإيمانِ، والْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأُ المِيزانَ، وسُبْحانَ اللهِ والْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآنِ -أَوْ تَمْلأُ- ما بيْنَ السَّمَواتِ والأرْضِ، والصَّلاةُ نُورٌ، والصَّدَقَةُ بُرْهانٌ، والصَّبْرُ ضِياءٌ، والْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ، أوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُها، أوْ مُوبِقُها.)

فَهَنِيئًا لِلصَّائِمِ! يُثَابُ عَلَى ظَمَئِهِ وَجُوعِهِ عِنْدَ الَّذِي لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ((ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) [التوبة: ١٢٠].

جَاءَ رَمَضَانُ لِيَتُوبَ النَّاسُ إِلَى رَبِّهِمْ، وَيَقْصِدُوا بُيُوتَهُ (الْمَسَاجِدَ) لِيُحْيُوهَا بِالتَّرَاوِيحِ وَالذِّكْرِ. فَمَسَاجِدُ الْأَرْضِ تَفِيضُ بِالْمُصَلِّينَ صُفُوفًا مُنْتَظِمَةً، أَقْدَامُهُمْ مُصْطَفَّةٌ، وَجِبَاهُهُمْ تَلْمَسُ الْأَرْضَ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ: الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ، الْمُتَوَاضِعُ وَالشَّرِيفُ، الْمُعْدِمُ وَالْوَزِيرُ – كُلُّهُمْ مَعًا يَخْشَعُونَ لِلَّهِ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ، بِهَذَا الْخُضُوعِ، يَمْنَحُهُمْ عِزًّا فَوْقَ النَّاسِ – بِشَرْطِ صِدْقِ النِّيَّةِ وَمُوَافَقَةِ الْعَمَلِ لِلسُّنَّةِ.

لَا عَجَبَ، فَمَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ. وَمَنْ كَانَ عَبْدًا مُطِيعًا خَاضِعًا لِلَّهِ، جَعَلَهُ اللَّهُ عَزِيزًا بَيْنَ النَّاسِ. وَمَنْ كَانَ مَعَ اللَّهِ بِاتِّبَاعِ أَوَامِرِهِ وَالتَّمَسُّكِ بِأَحْكَامِهِ وَنَوَاهِيهِ، كَانَ اللَّهُ مَعَهُمْ بِالنَّصْرِ وَالتَّوْفِيقِ وَالْمَغْفِرَةِ. بِذَلِكَ سَادَ الصَّحَابَةُ الْأَحِبَّاءُ الْأُمَمَ، وَنَالُوا الْمَجْدَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. أَقَامُوا دَوْلَةً لَمْ يَعْرِفِ التَّارِيخُ لَهَا نَظِيرًا فِي النُّبْلِ وَالْفَضْلِ وَالْكَرَمِ وَالْعَدْلِ. فَهَلْ بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ؟!

إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا أَوْعِيَةً فَارِغَةً. يُذْكَرُونَ كُلَّمَا ذُكِرَ رَمَضَانُ، وَيُذْكَرُ رَمَضَانُ كُلَّمَا ذُكِرُوا. فَفِي هَذَا الشَّهْرِ أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى خَيْرِ الْبَشَرِ ﷺ، وَالْقُرْآنُ هُوَ حَيَاةُ الْمَرْءِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَنُورُهُ فِي الظُّلُمَاتِ.

رَمَضَانُ شَهْرُ الْمَحَبَّةِ وَالْأُلْفَةِ. فَلْتَكُنْ فِيهِ قُلُوبُكُمْ أَكْثَرَ سَعَةً، وَأَلْسِنَتُكُمْ أَلْيَنَ، وَتَبَاعَدُوا عَنِ الشِّقَاقِ وَالشَّرِّ. إِنْ رَأَيْتُمْ مِنْ أَهْلِكُمْ خَطَأً فَتَحَمَّلُوهُ. وَإِنْ وَجَدْتُمْ ثُغْرَةً فَسُدُّوهَا وَاصْبِرُوا عَلَيْهَا. وَإِنْ بَدَأَكُمْ أَحَدٌ بِشِجَارٍ فَلَا تُجِيبُوهُ بِمِثْلِهِ. بَلْ قُولُوا: إِنِّي صَائِمٌ.

وَإِلَّا، فَكَيْفَ يَرْجُو ثَوَابَ الصِّيَامِ مَنْ يَسْتَخِفُّ بِهَذِهِ الْآدَابِ، فَيُمْسِكُ عَنِ الطَّعَامِ الْمُبَاحِ وَيُفْطِرُ عَلَى الْحَرَامِ؟!

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ” [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ١٩٠٣].

عَلَاقَةُ النَّاسِ بِرَمَضَانَ مُتَفَاوِتَةٌ وَتَمْتَدُّ حَقًّا عَلَى طَيْفٍ وَاسِعٍ جِدًّا. فَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى رَمَضَانَ لَا أَكْثَرَ مِنْ شَكْلٍ مِنَ الْحِرْمَانِ بِلَا فَائِدَةٍ – شَعِيرَةٍ دِينِيَّةٍ بِلَا أَسَاسٍ. لِذَلِكَ هُمْ مُصِرُّونَ عَلَى الْإِفْطَارِ فِيهِ – سَوَاءٌ فَعَلُوهُ عَلَانِيَةً أَوْ سِرًّا. أُولَئِكَ هُمْ مِمَّنْ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَازْدَادُوا كُفْرًا. يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الصَّوْمَ يَكْبِتُ الْحُرِّيَّةَ، الَّتِي تَعْنِي فِي نَظَرِهِمُ الِانْطِلَاقَ غَيْرَ الْمُقَيَّدِ وَرَاءَ الشَّهَوَاتِ وَالرَّغَبَاتِ، وَالِانْغِمَاسَ فِيهَا بِلَا حَدٍّ وَلَا قَيْدٍ.

سحقاً لِهَذِهِ “الْحُرِّيَّةِ” الزائفة، إِنَّهَا خِدَاعٌ. أَوَّلًا، هِيَ لَا تَعْنِي إِلَّا فَوْضَى، وَفِي آخِرِهَا هِيَ اسْتِعْبَادٌ مَذِلٌّ لِلْجَسَدِ.

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَرَى رَمَضَانَ مُجَرَّدَ جُوعٍ لَا يُطَاقُ وَظَمَأٍ شَدِيدٍ فَوْقَ طَاقَتِهِمْ. إِنَّهُمْ يَضْجَرُونَ لِمُجَرَّدِ ذِكْرِ رَمَضَانَ. قُدُومُهُ عَلَيْهِمْ ثِقْلٌ، وفراقه عيد عندهم. يَعُدُّونَهُ قَيْدًا تَقْيِيدِيًّا عَلَى شَهَوَاتِهِمْ وَمَلَذَّاتِهِمْ، فَيَصُومُونَهُ كَارِهِينَ. هَؤُلَاءِ وَأَمْثَالُهُمْ فَاتَتْهُمْ حَلَاوَةُ الْإِيمَانِ وَلَذَّةُ الصَّالِحِينَ فِي الِاسْتِسْلَامِ لِلْخَالِقِ فِي أَوَامِرِهِ وَأَقْدَارِهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ” وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ”. [القصص: ٦٨].

اللَّهُمَّ اخْتِمْ لَنَا بِالْحُسْنَى فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ، وَأَجِرْنَا مِنْ خِزْيِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الْآخِرَةِ.

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى رَمَضَانَ كَمُنَاسَبَةٍ سَنَوِيَّةٍ لِمَوَائِدَ مَمْلُوءَةٍ بِأَنْوَاعِ الطَّعَامِ وَأَصْنَافِهِ، وَفُرْصَةٍ لِلَّهْوِ وَالسَّهَرَاتِ الْمُمْتَدَّةِ حَتَّى الْفَجْرِ، حَتَّى تَصِيرَ أَيَّامُهُمْ كَلَيَالِيهِمْ. إِنَّهُمْ يَعِيشُونَ فِي ظَلَامٍ دَائِمٍ، وَقَدْ أَعْيَتْ عُيُونُهُمْ وَأَجْهَدَهَا السَّهَرُ الطَّوِيلُ. أَتَاهُمْ رَمَضَانُ وَمَصَائِبُ الْمُسْلِمِينَ كَثِيرَةٌ. غَايَةُ تَقْوَاهُمْ فِي هَذَا الشَّهْرِ هِيَ انْهِمَاكٌ فَارِغٌ فِي تَرْفِيهٍ تَافِهٍ، دُونَ مُرَاعَاةٍ لِلِاعْتِبَارَاتِ الْأَخْلَاقِيَّةِ. أَنْشِطَةٌ تُقَوِّضُ أَوْ تُدَمِّرُ مَا تَبَقَّى مِنْ إِحْسَاسٍ بِالْحَيَاءِ أَوِ الْعَفَافِ أَوِ التَّدَيُّنِ الْحَقِيقِيِّ الْجَدِيرِ بِالتَّشْجِيعِ وَالدَّعْمِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) [يوسف: ١٠٣].

أَمَّا أَقَلِّيَّةُ النَّاسِ، وَإِنْ كَانُوا بِفَضْلِ اللَّهِ كَثِيرِينَ، فَإِنَّهُمْ يَرَوْنَ فِي رَمَضَانَ أَمْرًا آخَرَ مُخْتَلِفًا تَمَامًا، أَسْمَى بِكَثِيرٍ. يَرَوْنَ فِيهِ تَهْذِيبًا إِلَهِيًّا بِالتَّقْوَى، وَكَرَمًا وفَضْلًا، وَصَبْرًا جَمِيلًا. يَفْهَمُونَهُ كَسِلْسِلَةٍ مِنَ الدُّرُوسِ لِكُلِّ جِيلٍ – دُرُوسٍ لَا يُمْكِنُ تَعَلُّمُهَا فِي الْمَدَارِسِ أَوِ الْجَامِعَاتِ. هَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ حَقًّا مِنْ رَمَضَانَ، الَّذِينَ يَجِدُونَ فِي نَهَارِهِ بَهْجَةَ الْفَضِيلَةِ الْحَقِيقِيَّةِ وَالْحُرِّيَّةِ الْأَصِيلَةِ، وَكَذَلِكَ الثَّبَاتَ عِنْدَ الشِّدَّةِ. هَؤُلَاءِ وَأَمْثَالُهُمْ هُمُ الَّذِينَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَتُغَلَّقُ عَنْهُمْ أَبْوَابُ النَّارِ. هُمُ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ مِنْ رَمَضَانَ وَقَدْ غُفِرَتْ ذُنُوبُهُمْ وَكُفِّرَتْ خَطَايَاهُمْ. أُولُو النُّفُوسِ السَّامِيَةِ، وَالْهِمَمِ الْعَالِيَةِ، وَالْغَايَاتِ النَّبِيلَةِ، وَالْقُلُوبِ الْمُهْتَدِيَةِ. إِنَّهُمْ حَقًّا الَّذِينَ يُصْلِحُونَ الْأَحْوَالَ وَيُفْرِحُونَ الْقُلُوبَ. كَمْ تَحْتَاجُ الْأُمَّةُ الْإِسْلَامِيَّةُ إِلَى أَمْثَالِهِمْ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ! إنّهم أهل باب الريّان.

إِنَّ بَعْضَ شَبَابِ الْمُسْلِمِينَ يَصُومُونَ بِمُجَرَّدِ الْإِمْسَاكِ عَنِ الطَّعَامِ. يَتَسَرَّبُونَ خِلَالَ رَمَضَانَ دُونَ الِاسْتِفَادَةِ مِنْهُ أَوِ اسْتِغْلَالِ وَقْتِهِمْ فِيمَا يَنْفَعُهُمْ وَيُثْرِيهِمْ. وَالْبَقَاءُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ التَّعِسَةِ يُحْدِثُ مُشْكِلَاتٍ مُسْتَمِرَّةً لِأُسَرِهِمْ وَالْمُجْتَمَعِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءً. نَحْنُ بِحَاجَةٍ إِلَى تَقْوِيمِ أَخْلَاقِهِمْ، وَرَفْعِ مُسْتَوَى تَفْكِيرِهِمْ، وَكَفِّ أَذَاهُمْ، وَعَدَمِ إِضَاعَةِ وَقْتِهِمْ فِي الْبَاطِلِ، وَإِقْنَاعِهِمْ بِأَنَّ الْفَرَاغَ يُؤَدِّي إِلَى الْهَلَاكِ.

أَمَّا الْمَرْأَةُ الْمُسْلِمَةُ، فَهِيَ شَقِيقَةُ الرَّجُلِ. إِنَّهَا نِصْفُ الْمُجْتَمَعِ. وَهِيَ تَلِدُ النِّصْفَ الْآخَرَ، فَكَأَنَّهَا أُمَّةٌ وَحْدَهَا. هَلْ يَنْحَصِرُ نَشَاطُهَا فِي رَمَضَانَ فِي الطَّبْخِ وَالتَّبَحُّرِ فِي فُنُونِ الطَّهْيِ وَأَصْنَافِ الْمَشْرُوبَاتِ؟ أَمْ تَكُونُ دَائِمَةَ التَّرَدُّدِ (عَلَى الْأَسْوَاقِ) كَاسِيَةً عَارِيَةً، تُغْرِي وَتُغْرَى، لَا تَفْكِرُ فِي الْقُرْبِ مِنْ خَالِقِهَا بِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، أَوِ صَّلَوَاتِ النَّوَافِلِ، أَوِ الصَّدَقَةِ، أَوِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ أَوِ النَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ؟

فِي بَيْتِهَا وَأُسْرَتِهَا، حَيْثُ قِيَادَتُهَا المَعْرُوفَةٌ، هَلْ نَسِيَتْ أَنَّهَا مُرَبِّيَةُ الْأَجْيَالِ الْفَاضِلَةِ؟ إِنَّ دَوْرَ الْمَرْأَةِ فِي صِيَامِ رَمَضَانَ لَمْ يَكُنْ قَطُّ أَقَلَّ مِنْ دَوْرِ الرَّجُلِ. لَقَدْ كَانَتْ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسُهُنَّ يُشَارِكْنَ النَّبِيَّ ﷺ فِي كُلِّ مَا يَفْعَلُهُ، سَوَاءٌ كَانَ صِيَامًا أَوْ قِيَامَ لَيْلٍ أَوْ عَطَاءً أَوْ كَرَمًا.

رَوَى الْبُخَارِيُّ: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ) [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ٢٠٢٤].

وَسَأَلَتْ عَائِشَةُ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا – النَّبِيَّ ﷺ: إِنْ أَدْرَكْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَمَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: “قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي” [رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ٣٨٥٠، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ].

فَاتَّقُوا اللَّهَ، وَأَرُوا اللَّهَ مَا عِنْدَكُمْ مِنْ عزيمة فِي هَذَا الشَّهْرِ الْمُبَارَكِ. إِنَّ لِلَّهِ نَفَحَاتٍ خَاصَّةً، فَمَنْ فَاتَهُ الْخَيْرُ فِيهَا فَقَدْ فَاتَهُ كَثِيرٌ. وَأَبْشِرُوا، بِقَوْلِ الْمُصْطَفَى ﷺ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: “الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ” [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ٧٥٣٨ وَمُسْلِمٌ ١١٥١ (بِتَصَرُّفٍ)].

نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَتَقَبَّلَ صِيَامَنَا وَقِيَامَنَا وَجَمِيعَ أَعْمَالِنَا الصَّالِحَةِ. إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى