
لم تُصدر داعش الى اوروبا الارهاب فقط ، انما ايضا قوانين الطوارئ واجراءات تقييد الحريات بما في ذلك حرية التنقل ، هاهي فرنسا موطن الديموقراطية تستعد لتعديل دستورها من اجل السماح للحكومة بفرض حالة الطوارئ الى فترات طويلة فيما يتراجع الاتحاد الاوروبي عن (فيزا الشنغن ) التي تسمح بحرية التنقل . كما ان إجراءات التفتيش والمراقبة للأفراد والبضائع لا تشمل فقط تقييد حركة الأوروبيين من اصل عربي داخل القارة انما من أصول أوروبية . وهذه الانتكاسة في القيم الديموقراطية ( كرد فعل على هجمات باريس الإرهابية ) لا تشهدها اوروبا وفرنسا بشكل خاص انما الغرب كله كحضارة ، الغرب الذي يضم ايضا الولايات المتحدة وكندا وأستراليا وغيرها ، ان ذلك بلا شك يشكل خيبة أمل بالنسبة للكثيرين من مفكري فرنسا الذين اعتقدوا بان انتصار الديموقراطية الغربية في العالم اصبح حقيقة ساطعة ، كما ذكر المؤرخ والفيلسوف الفرنسي ( مارسيل غوشيه ) الذي كتب قبل سنوات ” بان التيار الذي يجرفنا منذ ٢٥ عاما يمثل انتصارا لم يسبق له مثيل للدولة الديموقراطية ، لقد عرف الفرنسيون السعادة المميزة برؤية تقليدهم السياسي الاشد عراقة ينسجم مع المسار العام للعالم “.
اليوم ومنذ الهجمات الاجرامية على باريس اجد ان التيار الذي يجرف فرنسا والغرب والعالم هو تيار داعش ، فدول العالم الديموقراطي تتجه نحو تبني المزيد من قوانين واحكام الطوارئ وتقييد حرية الرأي ( خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي ) ومراقبة حرية التنقل ، والحد من الحريات الفردية في ظل حملات المداهمة والاعتقال بناء على قرارات امنية وليست قضائية . كل هذا يؤشر على تغيير مسار العالم وفق ما تريد وتهدف داعش .
ليس هذا فقط ما يتغير في اوروبا وامريكا وكندا وغيرها من دول الغرب بتأثير تهديدات الارهاب الداعشي ، التعددية وحريات الأقليات تصاب كذلك في الصميم . لقد تحدث فلاسفة اوروبا خلال العقد الأخير عن مرحلة من الليبرالية تكون فيها حريات الافراد اهم من حرية الدولة ، وبان احترام حرية الأقليات هو المحك في اختبار مصداقية الديموقراطية ، لكننا نشاهد هذا المسار ينقلب الى عكسه في اطار الحرب على الارهاب ، فالاقليات الاسلامية في اوروبا وامريكا و كندا تواجه حملات من العداء والكراهية مصاحبة باجراءات تقيد الحريات الفردية مع تصاعد واتساع مساحة خطاب عنصري يتبناه سياسيون كما يتردد في حملات الانتخابات الرئاسية الامريكية ( تصريحات ترمب مثالا ) وفي تصريحات قادة احزاب كندية كما شاهدت في تقرير بث على القناة الخامسة الفرنسية عن المسلمين في مقاطعة كيوبيك الناطقة بالفرنسية .
كل هذه الانقلابات في مجال القيم والمثل الديموقراطية في الغرب تمثل نجاحا للارهاب في تغيير العالم ودفعه باتجاه مسارين ١- الحرب ٢- الاستبداد والقمع . وهما مساران يخدمان بيئة الارهاب ويغذيان قوته وانتشاره . اليوم ونحن نرى تسابق دول العالم على ارسال الطائرات والجنود الى سوريا باسم الحرب على داعش ، نرى ايضا مناخات مصادرة الحريات ونشر العنصرية والتمييز على أسس دينية وقومية تنتشر ليس في المنطقة فحسب انما في الدول الغربية . وكل هذا ناجم عن ان قادة العالم يتعاملون مع نتائج الارهاب لا مع اسبابه ، فلا يعرفون غير شن الحرب ، بدون العمل على حشد المجتمع الدولي حول مسار سياسي اخر مواز للعمل العسكري يعتمد على البحث في اسباب الارهاب وجذوره وتجفيف منابعه واخطرها انظمة الديكتاتورية والاستبداد والحكم الفردي المطلق .
من يتابع التصريحات الحربية لبوتين وأولاند واوباما وكاميرون يتذكر تصريحات بوش وبلير المماثلة عن الحرب المقدسة ضد الارهاب والتي أدت الى غزو أفغانستان واحتلال وتدمير العراق ، كانت النتيجة انطلاق الارهاب من قمقمه وتوسع انتشاره وهو ما اعترف به بلير عندما اعلن اعتذاره لان غزو العراق كان السبب في ظهور تنظيم الدولة الاسلامية داعش . العجيب ان زعماء الغرب يعيدون الكرة رغم تصاعد الأصوات في بلدانهم بان الحل العسكري ليس كفيلا وحده بالقضاء على الارهاب وان كان ضروريا . ما يقضي عليه هو نشر قيم الديموقراطية والحريات العامة والعدالة ، هو تخليص المنطقة من الاستبداد الذي جلب اليها الحروب والتدخلات الاجنبية ، هو إنهاء الاحتلال الاسرائيلي الذي تلاقي جرائمه واعداماته اليومية للشباب الفلسطيني الصمت والإنكار من العالم . .
المواجهة الحقيقية لمشكلة الارهاب تبدأ بانهاء الاحتلال الاسرائيلي وبمحاصرة انظمة الاستبداد في الشرق الاوسط ومكافحة العنف والتعذيب في دوله وغرس الديموقراطية وحقوق الانسان في سياساتها وقيمها ، لانه بدون ذلك ستظل هذه الانظمة مصدر لاشعال الحروب التي بدورها تطلق الارهاب في جميع دول العالم . وهكذا فان اي انتكاسة للمثل والقيم الديموقراطية في اوروبا باللجوء الى قوانين الطوارئ والسكوت على الحملات العنصرية ضد العرب والمسلمين ستكون في صالح داعش وارهابها ، ان المطلوب هو ان تنجح اوروبا في تغيير الشرق الاوسط نحو المسار الديموقراطي وذلك بالتشبث اولا بقيمها الحضارية في العدالة والحرية والمساواة عند تعاملها مع الأقليات العربية والإسلامية من مواطنيها ، لا ان تبدأ باستيراد قوانين الطوارئ منه لانه عندئذ تكون داعش هي من تغير العالم . وفي النهاية “ليس من العدل اخذ البرئ بجريرة المذنب ” اي التعامل مع الملايين من الأقليات العربية من خلال جرائم حفنة من الإرهابيين .




