خواطر رمضانية

خواطر رمضانية

د. هاشم غرايبه

كلما حقق الغرب تقدما تقنيا أو علميا جديدا، نشهد تعليقات من معادي منهج الله، ظاهرها توجع على حرمان أقطار الأمة من مواكبة دول العالم الأخرى، لكنها في حقيقتها اتهام للإسلام بأنه سبب هذا التخلف.
هؤلاء يتجاهلون أنه لا يوجد قطر إسلامي مسموح له أن يكون إسلاميا، فجميعها علمانية بغض النظر عن الجملة الوحيدة في الدستور التي تقول عند بعضها ان دين الدولة الإسلام وفي أخرى ان الاسلام ليس إلا أحد مصادر التشريع، لكن أيا منها لا يطبق أحكام الدين إلا في قوانين الأحوال الشخصية.
وإذا كانت كل دساتير وقوانين الأنظمة العربية غربية علمانية..فلماذا قانون الإنتخاب وحده لا يكون وفق الديمقراطيات الغربية؟
وإذا أردنا الدقة أكثر: لماذا نقل الغرب كل قوانينه الى الأنظمة، فيما فصّل لها قوانين انتخابات مختلفة خاصة بها؟.
ما الذي يخشاه فيما لو ترك الخيار الحر للشعب كما يفعل في بلدانه؟.
في الواقع لو أتيح للشعب الخيار الحر (وهو الأمر الذي لم يحدث إلا مرة واحدة في تاريخ الأمة الحديث – في مصر عام 2012 ) فليس لديه إلا أحد فريقين يشكلان المعارضة التقليدية للأنظمة: إما من ينتمون للتيار القومي اليساري، أو للتيار الإسلامي، ولا أعني بذلك الأحزاب المعروفة، فهي أضعف من أن تشكل كتلة متكاملة تستطيع تحقيق أغلبية برلمانية، لكن حتى الشخصيات المستقلة جميعها تنتمي الى أحد هذين التيارين.
لندقق في ما يخيفهم إذاً ويدفعهم لتزوير إرادة الشعب، وجعل المخرجات دائما شخصيات مرتبطة بالمؤسسات الأمنية، حتى تبقى رهن إشارة الحكومة، لمنع تكوين معارضة برلمانية للنهج المعتاد للنظام الرسمي العربي.
لا شك أن إحتمال فوز أغلبية برلمانية قومية يسارية أمر مستبعد، ولا يقلقهم أصلا، إذ سيكون منهجها ليبرالياً علمانياً، أي المنهج الغربي ذاته المفروض على الأنظمة العربية جميعها انتهاجه، فما الذي سيتغير!؟…لاشيء تقريبا إلا الطربوش.
لكن فوز من يسعون لاتباع المنهج الإسلامي أمر مختلف، فهم الذين يخشونهم، فهو منهج جديد مغاير تماما عما سعوا قرونا طويلة لترسيخه بلا منافس في كل أرجاء العالم، ولا بد أنهم درسوه جيدا وعرفوا فيه مقتلا لمنهجهم الإستعماري، وليسوا غافلين عن معرفة مزاياه مثلنا، لذلك يخشونه ويحذرون أن يوضع موضع التطبيق من قبل مخلصين له، ولهذا رأينا كم يبذلون من جهد لمنع نشوء إسلام أيديولوجي (يسمونه الإسلام السياسي)، يكون قادرا على إرساء نموذج عصري للدولة الناجحة على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
لقد شهدنا ماحدث لدى فوز جماعة الإخوان المسلمين في مصر، والذين رغم أنهم لم يكونوا يمتلكون الرؤية الناضجة لهذا النموذج بعد، لكن خوفا من أن يشكل فوزهم هذا إلهاما لمن يسعون لإقامة الدولة النموذج، فقد اجتمع كل الخائفين منه: الغرب والأنظمة العربية واتباع المنهج القومي اليساري، اجتمعوا ممثلين في انقلاب السيسي، بهدف إجهاض الفكرة.
هكذا نتوصل الى أن كل ما يجري في بلادنا من انقلابات وقوانين عرفية وتقييد حريات وتكميم أفواه، وقوانين مبتكرة لمنع تشكل قوائم ذات برامج متوافقة مع عقيدة الأمة، وتزوير الانتخابات، وتعميم الفساد لإهلاك الحرث والنسل، وإغراق البلاد بديون البنك الدولي، وافساد المجتمعات بزرعها بالمنظمات غير الحكومية التابعة لوكالة المخابرات المركزية، …كل ذلك بهدف تيئيس الأمة من إمكانية انقاذها، واستبعاد الحتمية التي يحذرونها، وهي عودة الدولة الإسلامية لتوحد هذه الأمة وتنهض بها من جديد…وهل هنالك ما هو أخطر على مصالح الغرب وأطماعه من ذلك؟.
لقد تبين أن الجامع الأعظم لهذه الأمة هو عقيدتها، وبالتالي فهي الرافعة الوحيدة لتقدمها، لذلك يجري العمل المنظم منذ قرن لتمييعها بتحويلها الى مجرد طقوس ومناسبات احتفالية تراثية، وجعل الدين مجرد علاقة وجدانية تأملية مثل البوذية، وحبسه داخل المساجد التي تحولت الى دوائر تابعة لوزارات الأوقاف العلمانية.
كل ذلك لمنع أن يصبح الإسلام منهج نظام الحكم، وأساسا للتغيير المجتمعي.
لذلك لا يمكن أن يسمحوا للإسلام بالوصول الى الحكم.
لذا فهذه الأصوات المتباكية على هوان الأمة، ليست صادقة في ادعائها الغيرة عليها، فهي جزء من جوقة التيئيس والإحباط، وثبت بالتجربة المريرة عام 2013 أنها تفضل بقاء الأمة في الذل والهوان الحالي على عودتها الى الدولة الاسلامية المجيدة.

مقالات ذات صلة
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى