خواطر رمضانية

خواطر رمضانية

د. هاشم غرايبه

رغم تركيز الأبحاث والتنقيبات الغربية على محاولة إثبات أن الإنسان ينحدر من سلالة القرد، إلا أنهم لم يتمكنوا الى اليوم من إيجاد دليل مادي حقيقي (أركيولوجي) على صحة هذه الفرضية، ولا يدعمها إلا الإفتراض المسبق، ورفض قبول التفسير الديني.
لذلك تجد أن البحث عن الأصول القديمة لا يتم في منطقة العالم القديم (منطقتنا)، والتي نشأ فيها أبو البشر (آدم)، وتكاثرت ذريته وانتشرت في سائر بقاع الأرض، فهم يفترضون دائما النقيض ويبحثون في مناطق خارجها كأفريقيا واستراليا وجنوب شرق آسيا.
ما يكشف زيف ادعائهم هذا، حقيقة أن هذه المنطقة ظهرت فيها أقدم الحضارات البشرية، وما زالت آثارها شاهدة على مدى تقدمها، كما يكشف أنهم يعلمون ذلك لكن يحاولون انكاره، سعيهم الدائب للسيطرة عليها.
منذ القدم، ظلت السيطرة على منطقة شرق وجنوب البحر المتوسط حلم كل الأمم خارجها، وكل الحروب قديمها وحديثها كانت الأطماع فيها محورها ومبررها، لأنها الموطن الأول الذي اختاره الله لآدم، كونه الأغنى في الموارد والألطف في المناخ والأهم كموقع متحكم بخطوط المواصلات والتجارة ، لذلك سماها الغربيون الشرق الأوسط.
كانت الوسيلة الأنجح لإخضاع سكانها هي في تجريدها من وسائل قوتها، وهي اجتماع الكلمة ووحدة الصف، فكانت مؤامرة التقسيم عام 1920 بعد القضاء على الدولة الإسلامية، ولأجل ديمومة التقسيم جرى اختيار حكام منضبطين بمنع عودة هذه الدولة من جديد، ومقابل إلتزامهم بهذا النهج أطلقوا أيديهم في نهب خيرات بلادهم.
لذلك أصبحت متلازمة (الفساد – الفشل – قمع الداعين لعودة الدولة الإسلامية) هي العنوان المشترك لكل أنظمة الأقطار العربية والإسلامية.
وعندما كان أي منها يحيد عن هذه الطريق، فيأتي حاكم مخلص ينوي الخروج من هذه المتلازمة كان يتم التدخل فورا، فيتم التخلص منه، وكان يتم ذلك أحيانا بالطرق (الديمقراطية) مثل ما جرى مع أربكان، أو بإعدامه كما جرى مع “مندريس”، أو بترتيب عملائهم لمظاهرات تكون حجة لقيام انقلاب عسكري، كما جرى مع “مصدق” في ايران و”مرسي” في مصر، أو محاولة الإنقلاب على “أردوغان”، أو باستغلال الفردية والنرجسية للحاكم، بإحاطته بالملأ الفاسد المتآمر، الذي يزين له سوء عمله، ويغريه باتباع طريق الضلال المؤدي الى هزيمة الأمة.
رغم أن ماليزيا وأندونيسيا دولتان مسلمتان، إلا أنهما شكلتا حالة مختلفة بعض الشيء، فهما بعيدتان عن المنطقة المستهدفة (الشرق الأوسط) والأطماع فيها اقتصادية بحتة، مثل باقي أقطار شرق وجنوب آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية، وليست كمنطقة مركزية استراتيجية، لكن انتماءهما الى العالم الإسلامي يشكل قلقا، فازدهارهما سيكون إلهاما لتطلعات الشرق الأوسط المسلم، ويسقط إدعاء أتباع الغرب من العلمانيين العرب بأن الإسلام هو سبب تأخر العرب، لذلك أجهضوا التقدم الذي بدأه “سوكارنو” في اندونيسيا بتنظيم انقلاب “سوهارتو”، فجعلوها رهينة للفساد، وأبقوها مكبلة بأغلال البنك الدولي.
أما ماليزيا، فظلت كذلك إلى أن هيأ الله لها مسلما يخاف الله هو “محاضر محمد” (يسميه الأوروبيون مهاتير لأنهم لا يمكنهم لفظ حرف الحاء)، غافلهم وخرج عن تلك المتلازمة بطريقة ذكية(واستلهم أردوغان الفكرة فيما بعد)، فلم يفطنوا إلى أنه إسلامي إلا بعد أن مكن له إخلاصه ونجاحه، فلم يقدروا على إزاحته.
وبعد أن نقل بلاده الى مراتب متقدمة، ترك الحكم طواعية، لكنه رأى الفساد عاد، وخشي على بلده فقرر العودة رغم أنه بلغ الثانية والتسعين، فأعاده شعبه الذي يُقدّره، وخلال أسبوع واحد استطاع أن يعيد الأمور وألغى كثيرا من إجراءات سلفه الفاسد ومنها إلغاء ضريبة المبيعات وإعادة الضرائب التي اقتطعها بغير حق.
يقول في رسالة له منشورة: “يا إلهي، أعرف لماذا أطلت عمري برحمتك وعطفك حتى هذا العمر 93 سنة، فمازلت أقف قويًّا وبصحة، قادِرًا على التركيز في التفكير وبحيويّة لأُواجه معركتي الأخيرة.أشكرك يا الله وبإذن منك استطعت أن أحمي حقوق الشعب وأن اطيح بالمذنبين. ..بعد هذا أدعو وأنا قادر أن أغلق عيناي وببال مرتاح، أن تقابلك روحي يا خالقي بأمان”.
هكذا يكون الحاكم عندما يكون مسلما مؤمنا وليس بالإسم فقط، ولهذا أنزل الله الدين للبشر، فهو العلاج الوحيد للظلم والفشل والفساد.. ولذلك يحاربه الطواغيت والطامعون.

مقالات ذات صلة
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى