
خواطر رمضانية
د. هاشم غرايبه
الرسم القرآني هو الصورة التي وردت عليها الكلمات القرآنية في المصحف من حيث حروف كل كلمة وشكلها وعدد حروفها، ورسم المصحف هو توقيفي لا يجوز مخالفته، أو رسم الكلمة بغير ما وردت فيه، لأن كل صورة لها معنى، قد نفهمه أو أننا لما يأتنا علمه بعد.
وليس المقصود منه نوعية خط الكتابة سواء نسخ أو كوفي أو غيره, وإن كانت كل المصاحف الآن قد كتبت بخط موحد هو خط الثلث.
يطلق على هذا الرسم مسمى (الرسم العثماني)، نسبة الى عثمان بن عفان الذي نسخ المصاحف الأربعة الأولى، والتي نسخت عنها كل المصاحف الى اليوم.
إن أمية الرسول صلى الله عليه وسلم من الإعجازات الإلهية، وحتى يقطع الله تعالى الطريق على المشككين بالقرآن والقائلين بأنه نقله عن الكتب القديمة، كما أراد تعالى لنبيه الكريم أن يكون عقله مفرغا من معارف البشر الهزيلة ومهيئا للحمل العلمي الهائل “إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا” [المزمل:5]، ولذا كان مُعلما لكثير من أصحابه الذين يعرفون القراءة والكتابة مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاوية وأبان بن سعيد وخالد بن الوليد وأُبي بن كعب وزيد بن ثابت وثابت بن قيس، الذين كانوا كُتّابا لديه، يدونون ما يوحى إليه من القرآن.
ومع عدم قدرته على الكتابة إلا أن صور الكلمات كانت تنزل في روعه وتثبت في ذاكرته كما أنزلت عليه، لذلك فهو الذي كان يحدد الرسم، كما يحدد موقع الآية أو المجموع منها، ترتيبا بين الآيات، وموضعا في أية سورة، بدليل أنه رغم تعدد الكتاب إلا أنهم عندما تم تجميع الرقاع المدون عليها الآيات في عهد أبي بكر، لم يجدوا فيها أي اختلاف، كما لم يختلفوا على رسم كلمة قط، ولا على موقع آية أو سورة، ولذلك عندما جمعها عثمان في مصحف مرتبة، لم تكن هنالك خلافات بين الصحابة على الشكل (الرسم) الذي كتبت في كلمات بصورة غير ما كتبت في آية أخرى، ولا على ترتيب أية أو سورة.
القرآن من قرأ، أي المقروء والمسموع، والمصحف هو القرآن المكتوب، ويتمثل بالرسم القرآني، والذي مع اختلاف صوره لا يغير النطق، لكن به كلمات جاء بها حروف رسمها مخالفا لأداء النطق بزيادة حرف مثل حرف الواو في (الزكوة), أو إنقاص حرف الألف في (وسئل ، السموت)، وكلمات تأتي في آيات قرآنية برسم مختلف عن آيات أخرى مثل (رحمت ، رحمة)، أو (تستطع ، تسطع)، وكلّ ذلك لأغراض هي من الأسرار الإلهية التي لا يطلع عليها أحدا من خلقه إلا بما شاء، ووفق ما يفتح على الدارسين والباحثين عبر العصور.
نخلص الى ضرورة الإلتزام بالرسم العثماني في طباعة المصاحف، فهو الرسم الأصيل للقرآن الذي اعتمده الجيل الأول من الصحابة الذين عاصروا التنزيل بلا خلاف، وما عداه لا تعتبر رسوما أصيلة في كتابة القرآن.
لكن كثيرا من الفقهاء أجاز كتابة الآيات بالخطوط المتعارف عليها لغايات التعلم والتعليم، وذلك للتيسير على الأمة، لكي يتمكن الناس من قراءة القرآن بطريقة سليمة، ويتصور ذلك في الكتب المدرسية حيث تتطلب المصلحة أن تكون الكتابة القرآنية مطابقة للنطق القرآني، وموافقة لقواعد الإملاء.
إلا أن جواز الكتابة بالرسوم والقواعد المعتادة لا يقلل من أهمية تعويد الناس على القراءة بالرسم العثماني، لكي يكون هذا الرسم هو الأساس في المصاحف.
ولا شك أن الأمر يتعلق بالمصلحة، فإذا تأكدت المصلحة في كتابة الآيات وفقا للقواعد الإملائية وجب الأخذ بالمصلحة، لكي يكون النطق القرآني سليما وصحيحا.
وبهذا نفرق بين المصاحف التي يجب أن تحافظ على الرسم العثماني الذي هو الأصل في الكتابة القرآنية وكتابة الآيات القرآنية في إطار الكتب المدرسية أو في إطار الاستشهاد بها، مما لا يعتبر من المصاحف.
لكن من المهم الحرص على عدم الخطأ عند كتابة الآية القرآنية، ومن المحبذ في الإستشهاد (وهذا ما ألجأ إليه شخصيا) استخدام خاصية النسخ واللصق من القرآن المخزن على الحاسوب أو غيره، لتجنب الخطأ الطباعي.




