
د. #هاشم_غرايبه
قد يكون مفهوما عداء الغرب لتركيا في العهد الأردوغاني، فهم يخشون ضياع جهودهم المحمومة لقطع ارتباطها بعمقها الإسلامي، والذي بداه تابعهم أتاتورك وواظب عليه من خلفوه، وحرصوا على ضبط منتهى العداء للإسلام، فكان نجاح حزب اسلامي بالوصول الى السلطة مهددا قويا لجهود سبعين عاما في تغريب تركيا وتحويلها الى تابع منهك بالفقر والفساد، بعد أن تسنمت قيادة العالم أربعة قرون.
لقد أقلق إسلاميو تركيا الغرب بنجاحاتهم بنقل بلادهم بسرعة من واقعها المريض الذي فرضه عليها أيتام أتاتورك، الى واقع واعد بالتقدم والازدهار، فباتت الآن قوة صناعية تجارية متقدمة، لا تقل صلابة ورسوخا عن قوى العالم الأول، الأمر الذي يحقق لها الاستقلال الاقتصادي والسياسي.
لكن ما ليس مبررا هو عداء الأنظمة العربية المنبطحة للعدو، فالمفترض أن تقدم تركيا وازدهارها يشكل رافعة أمل ملهمة للمنطقة العربية المنكوبة بالتبعية والذيلية التي رسختها أنظمة (سايكس – بيكو)، كما تعتبر تجربة رائدة يفترض أن تحتذي بها الأنظمة لو كانت مخلصة حقيقة لأمتها.
لكن ما يفسر لنا سر هذا العداء هو انضمام العلمانيين العرب ممن يطلق عليهم مسمى اليساريين والتقدميين الى جوقة المعادين لإسلاميي الأتراك، فالقاسم المشترك هو الخوف من العودة الى الدولة الإسلامية الجامعة للأمة، لأن نجاحهم يسقط مقولاتهم التي عمموها بان الإسلام دين ماضوي لا يصلح منهجا سياسيا.
لقد شهدت تركيا خلال الأسوعين الماضيين اضطرابات ومظاهرات احتجاجية نظمها حزب الشعب الجمهوري (الأتاتوركي) تهدف الى الضغط على النظام القائم لإجراء انتخابات مبكرة (قبل ثلاث سنين من موعدها)، آملين بان يستعيدوا السلطة، ويتمكنوا من وقف حركة النهضة الإسلامية التركية الساعية لتحرير الأجيال الجديدة من لوثات العلمانية وفسادها، التي بدأها بداب وبروية حزب العدالة خلال العقدين الماضيين.
هذه هي الدوافع الحقيقية لهذه الأزمة المصطنعة، وقصة الأحداث كما يلي:
وجد العلمانيون في “أكرم امام اوغلو” أفضل خيار لترشيحه للانتخابات الرئاسية القادمة، خاصة بعد أن نجح لدورتين في الحصول على رئاسة بلدية اسطنبول، التي استأثر بها الإسلاميون اكثر من عشرين عاما، مع العلم أن الأتاتوركيين يسيطرون عادة على المدن الكبرى مثل اسطنبول كونهم قوام الطبقة الارستقراطية والرأسمالية الاحتكارية، فيما يتواجد الإسلاميون في المناطق الريفية والمدن الصغيرة، بسبب التلازم بين الدين والقيم الأخلاقية.
ورغم ذلك فقد تمكن الاسلاميون من نيل إعجاب كثير من العلمانيين بسبب الفارق البائن في الإمانة والإخلاص في ادارة بلدية اسطنبول، حيث جرى نقل المدينة في عهد رئاسة أردوغان لها الى مصاف المدن الأجمل في العالم، وهذه كانت من أهم أسباب فوزه المتوالي في انتخابات الرئاسة التركية، رغم العوائق الكثيرة والحرب على العملة التركية والانقلابات، وآخرها كانت هذه المظاهرات لانقاذ حصانهم الذي يراهنون عليه (أكرم أوغلو) من المحاكمة على ارتكابه عمليات فساد كبيرة وعديده خلال ادارته البلدية (والفساد سمة علمانيي تركيا الملازمة).
لم يعد من شك في ثبوت التهمة عليه، خاصة بعد أن تطوع عدد من المشبوهين معه بالشهادة ضده وتقديم الأدلة الثبوتية التي ستدينه، والتالي سيكون ذلك ضربة قاصمة لفرصة ترشحه القادمة.
وبالمناسبة فقد أثبت اسلاميو تركيا مهارة سياسية أخرى (بعكس ما يشيعه العلمانيون عنهم أنهم ساذجون في السياسة، ولأنهم أخلاقيون فهم لا يتقنون الدهاء)، فقد استغلوا أهم مواصفات العلمانيين، وهي أن ما يحكمهم هو المصلحة وليست الأخلاق ولا المبادئ، فهم سرعان ما يقفزون من السفينة الغارقة والنجاة بأنفسهم تاركين غيرهم لمصيرهم المحتوم، فقد وجدوا من أعوان (أوغلو) المقربين مثل “فاتح كيليتش” و”أركان تشاكي” من قدموا ادلة مادية تدينه مقابل تخفيف الأحكام عليهم.
ولأن الحلقة ضاقت على عنق (أوغلو)، فقد هرع الغرب وكلابهم لنجدته، فلم يكن في يدهم غير نشر الاضطرابات والقلاقل لأجل تهديد قيمة العملة، لابتزاز أردوغان بالضغط عليه للاستقالة واجراء انتخابات مبكرة.
لذلك سنشهد حملة شرسة ضد تركيا خلال الفترة القادمة، وبالطبع سيتجند سفهاء العربان فيها، وسنراهم كيف سينفقون الأموال ويبذلون الكثير من الجهود التي ضنّوا بها على إخوانهم في غزة.
لكن الله ليس بغافل عما يفعل الظالمون، وسينصر من ينصره مرة أخرى.