
خلف الأكمة
جاء في الأخبار أن حوالي 600 من أفراد عائلات فلسطينية هربت من الجحيم الطائفي الذي استعر في العراق وسوريا وتوجهت الى تايلاند كلاجئين، لم تعترف تايلاند بحقهم الإنساني، بل طاردتهم واعتقلت معظمهم بتهمة عدم حمل هويات إقامة، ويعيشون الآن في السجون في ظروف قاسية بانتظار طردهم خارجا.
كما جاء في تسجيل مرئي بثته قناة كويتية، تضمن معلومات قدمها رجل شرطة كويتي متقاعد أراد أن يريح ضميره الذي يعذبه منذ 23 عاما، حينما كان رئيس عرفاء مخفر أمن، فيقول إنه شاهد على إعدام خمسين شخصا فلسطينيا من مختلف الأعمار، جيء بهم من الشوارع، أبرياء لا ذنب لهم، واحتجزوا لديه في المخفر، كان ذلك بعد خروج الجيش العراقي من الكويت، وقد ساد شعور من الحقد على الفلسطينيين بسبب أنهم كانوا يهتفون للصواريخ التي أطلقها العراق على الكيان اللقيط، إذ اعتبروهم مؤيدين لصدام حسين، مما أدى الى الكثير من التنكيل والقتل على الهوية.
يقول الشرطي إن مسؤولا في وزارة الداخلية أمره بإعدام الأشخاص المعتقلين عنده فرفض قائلا: أنا أعرف أنهم اعتقلوا بلا ذنب ارتكبوه، لكن المسؤول أرسل سيارات حملتهم خارج المدينة وأعدمتهم جميعا ودفنتهم في قبر جماعي، وتصادف أنه في الشهر الماضي واثناء القيام بإنشاءات اكتشفت الجثث، فسارعت الجهات الأمنية الى القول أنهم جنود عراقيون، وعندها وجد الشرطي أن عليه بيان الحقيقة وإنه يتحمل المسؤولية عن كلامه.
لا توجد بقعة في العالم إلا وتشهد على مدى الظلم الذي لحق بالفلسطينيين، لكني أعتقد أن كل تلك المآسي أقل شأنا مما ألحقه بهم من تم تنصيبهم قادة وزعماء على هذا الشعب المناضل، والذي بقي صامداً واستبسل في رد كل المكائد، سواء من أعداء الأمة الخارجيين، أو من بني الأمة المتآمرين ، أو من بني جلدتهم الخائنين.
كان الإنحدار الأكبر في مسيرة النضال الفلسطيني، في اتفاقية “أوسلو”، حينما تم القبول بالتفاوض على مرتكزات القضية فقط (أي ثوابت الحق التاريخي للأمة في السيادة على أرضها كاملة)، مع إغفال كامل للعوامل التي أدت إليها ( أي استيلاء المحتل للأرض)، حدث ذلك بوعي كامل لخطورة ذلك، وليس عن غفلة من عواقب هذا الإنزلاق.
لقد تبين ومنذ ابتداء مفاوضات أوسلو، أنها كانت النجاح الأبرز لما سمي بـ (اليسار الإسرائيلي)، في اختراق القيادات الفلسطينية، التي بدت منهكة متهالكة من قبل أن يبدأ النزال السياسي، وذلك نتيجة حتمية لرفع الراية البيضاء (الحل السلمي للقضية) من قبل أن يحدث أي نزال عسكري.
لقد كانت النتائج مقروءة سلفا، من دلالات اختيار شخص مثل “أبو قريع” الذي كلفه الزعيم الفلسطيني “عرفات”، وأعطاه كل الدعم.
فقد كانت الخطة تصفية القضية الفلسطينية، وعلى يد من اعتبرهم الفلسطينيون ممثلهم الشرعي والوحيد.
هذه كانت العبارة المفتاحية لسلسلة من التنازلات التي لا تنتهي إلا حينما يكون ما كسبه الشعب الفلسطيني صفرا، أي حينما يفقدون كل شيء، فسارت الأمور كالمأمول، وتم تشكيل السلطة الفلسطينية التي هي جائزة ترضية لمن قبل العدو بهم وقبلوا بشروطه، وأما كل من لم يقبل فقد تمت تصفيته بشكل مبرمج.
لكن ما كان لشعب قدم كل تلك التضحيات أن يقبل، فخرج المؤمنون بمنهج الله عن الطوع ورفضوا إلقاء سلاحهم، فنشأت حركة المقاومة الإسلامية ومعها أحرار من الفصائل الأخرى، ليبقوا جذوة الكفاح متقدة، وليفسدوا على رجالات سلطة أوسلو الممسوخة أحلامهم.
الى اليوم، لا تشرق شمس كل يوم، إلا وقد دبر المتآمرون أمرا جديدا بليل، فهم لا يمكن أن يدعوا فرصة علو الباطل في الأرض حاليا تمر بغير أن يغتنموها لترسيخ الحالة المؤلمة الحالية وجعلها واقعا دائما.
لكن الله يمهل الظالمين ويمد لهم في غيهم وهم يتوهمون أنه غافل عنهم، وكمثل كل الطواغيت السابقين، لما تمادوا في الظلم معتقدين أنهم في مأمن، جاءهم أمر الله فأخذهم أخذة رابية.
