
إفلاس الشركات النووية
اعلنت شركة وستنغ هاوس وهي ذراع لشركة توشيبا اليابانية أنها قد افلست في مطلع شهر تموز من هذا العام 2017 وبناء على ذلك توقف مشروعان نوويان في الولايات المتحدة الأمريكية في ولاية جنوب كارولينا (VC summer) أما في فرنسا فقد خرجت أسهم أريفا من السوق المالي في باريس في آب من هذا العام 2017 بعد أن تراجع سعر أسهمها من نحو 80 يورو عام 2008 إلى 6 يورو مؤخراً واتضح ان هناك اشكاليات كبيرة في المفاعلات الفرنسية وفضائح حول مراقبة النوعية والصيانة. وهكذا وفي ظل تراجع كوريا الجنوبية الأخير عن الطاقة النووية بتصريح رسمي من رئيسها الجديد وأيضاً في ظل تصريحات مماثلة للرئيس الفرنسي السابق اولاند والرئيس الحالي الجديد ايمانويل ماكرون هناك توجه عالمي للتراجع عن الطاقة النووية بما في فرنسا أيضاً اكبر الدول اعتمادا على الطاقة النووية.
وهكذا تبقى روسيا والصين تقودان المسرح النووي اليوم وكلاهما دولتان لا تعترفان بحقوق الإنسان كما ينبغي وليست فيها أنظمة ديمقراطية حقيقية وبالتالي فإن إشكالية عامل الأمان في المفاعلات التي تقوم ببنائها في دولها وخارجها مرشحة للإنكشاف قريباً وبخاصة في ضوء الصراع المرير الذي تقوده الهند لإجبار روسيا على الاعتراف بمسؤوليتها عن أي حادثة أو كوارث مستقبلية في مفاعل كودلكولام الذي بدأ التشغيل فيه عام 2015 ولكن لغاية الآن لا يوجد اتفاق واضح وحقيقي ومعلن بين روسيا والهند حول التعويضات التي ينبغي أن تتحمل مسؤوليتها روسيا نتيجة الأضرار والكوارث التي قد تلحق بالهند أو الدول المجاورة للهند. وفي الصين أيضاً الأمر مماثل حيث ما زالت لغاية الآن تتم عقود التأمينات بلملمة فتات عقود من شركات هنا وأخرى هناك بما يسمى باللغة الإنجليزية Pooling وضمن أرقام زهيدة جداً لا تتجاوز المليار دولار وهذا رقم سخيف إذا ما قورن بحجم الضرر الذي يمكن أن يحدث على غرار فوكوشيما حيث تجاوزت فواتير التعويضات والإجراءات التي تبعت الكارثة مبلغ 200 مليار دولار.
ومن الواضح أن الكهرباء النووية تتراجع في العالم في ضوء إنهيار اقتصاديات الطاقة النووية ففي عام 1996 بلغت مساهمة الكهرباء النووية في مجمل الكهرباء المنتجة عالمياً 17.5% بينما بلغت في عام 2016 نحو 10.5% أي تراجعت 7% وهذا رقم يدلل على انهيار اقتصاديات الطاقة النووية. والأرقام التي نشرت في دراسة مايكل شنايدر في تقريرreport world nuclear industry status 2017 انه في عام 1976 كان هناك 44 مفاعلاً نووياً قيد الإنشاء بينما تراجع ذلك إلى 15 مفاعلا عام 2010 ثم في عام 2016 لم تبدأ في الإنشاء سوى ثلاثة مفاعلات اثنان منها في الصين وواحد في الباكستان وفي عام 2017 ولغاية الآن لم يبدأ العمل سوى بمفاعل واحد في الهند فقط.
أما فيما يتعلق بالأمان Safety الذي تم تطويره في مجال الصناعة النووية فيمكننا القول أنه بالرغم من تحسن عامل الأمان في المفاعلات النووية مع مرور الوقت نتيجة التجربة والممارسة والحوادث المتكررة فقد تطورت التكنولوجيا وغطت نقاط الضعف التي انكشفت في حالات الظروف القاسية والاستثنائية ولكن اتضح بما لا يدع مجالا للشك أن تطور التكنولوجيا يخلق أيضاً مشكلات جديدة فقد أظهر بحث روسي محكم أن المفاعلات التي يتم تحديثها وتطويرها يتضح فيما بعد أن تطويرها قد أثر على جانب أخر من النظام المعقد التابع للمفاعل النووي ولذلك فتوصي المنظمة الدولية للطاقة الذرية بأن يتم تجريب المفاعلات في بلد المنشأ بما لا يقل عن عشر سنوات حتى يتم التأكد من سلامتها بشكل معقول.
ولكن بالرغم من التطوير الفني للمفاعلات الحديثة من الأجيال الثلاثة والرابعة فإن العامل البشري يظل نقطة ضعف لأن كارثة تشرنوبل على سبيل المثال كانت ناجمة عن خطىء بشري فطالما العامل البشري موجود يظل الخطر قائماً ولا شك أنه مهما زاد التدريب كفاءة وتركيزاً فإن الثقافة العامة للمجتمع ضرورية فلابد من ثقافة أمان متطورة لها بعد تاريخي فلا يمكن ان تغير المجتمعات من سلوكها في ليلة وضحاها بل هي مسألة مرتبطة بعمقها التاريخي وطبيعتها الثقافية.
وربما يقول أحد أن التأمين على الكوارث النووية يغطي هذه المخاطر إلى حد ما فنرد عليه بالقول أن ايا من اتفاقية فيينا او باريس حتى لو غطت جزءاً من تكلفة الكارثة فإن التعويضات لا تشمل أي تعويضات بيئية أو تعويضات اقتصادية، بمعنى أنها لا تعوض عن أي أضرار قد تلحق بالبيئة على المدى القصير أو الطويل ولا تعوض عن الأضرار الاقتصادية الناجمة عن الخسائر في قطاعات السياحة والزراعة والتجارة والخدمات وما إلى ذلك.
ومن الضروري وضع النقاط على الحروف من حيث بيان قيمة هذه التعويضات في الاتفاقيتين لانها ضئيلة جداً في أغلب دول العالم باستثناء اليابان وسويسرا وألمانيا حيث أن التعويضات في قوانين بلادهم لا محدودة بمعنى أن الدولة هي التي تغطي كافة أنواع التعويضات كما فعلت اليابان على سبيل المثال. ولذلك تجد اليابان الآن بعد أن كان لديها 54 مفاعلاً فبعد ست سنوات من كارثة فوكوشيما لم تعد تشغيل سوى ثلاث مفاعلات فقط مطلع هذا العام وسوف يصبح أعداد المفاعلات العاملة خمسة فقط وهي نسبة 10% مما كانت عليه قوتها النووية قبل كارثة فوكوشيما. وهناك دول مثل المكسيك على سبيل المثال فإن الحد الأعلى للتعويض هو 12 مليون يورو أي أنه رقم هزيل وبالتالي فإنها لا تقيم وزناً لأي مخاطر على شعوبها من حيث صحتهم أو وضعهم الاقتصادي.
وهناك مشكلة تجاوز أضرار الكوارث حدود الدول، فعلى سبيل المثال وصل ضرر كارثة فوكوشيما من اليابان عبر المحيط الهادئ إلى الشواطئ الغربية الجنوبية للولايات المتحدة الأمريكية وقد أشار أحد التقارير المنشورة في مجلة محكمة هي Open Journals of Paediatrics عام 2013 إلى أن العنصر المشع I131 الذي يبلغ نصف عمره الإشعاعي نحو ثمانية أيام قد زاد تركيزه بنسبة 211 مرة مع هطول الأمطار ابتداء من اليوم الثالث للكارثة واستمر لمدة خمسة أيام أدى فيها إلى زيادة نسبة إصابة الأطفال حديثي الولادة بتشوهات في وظائف الغدة الدرقية بنسبة 16%، فكيف يمكن أن يتم تعويض هذه الخسائر الجسيمة التي لا يمكن التعويض عنها إطلاقاً على الصعيد الأخلاقي.
وقد أثبتت دراسة تمت على مفاعل نووي في سكرامنتو في الولايات المتحدة الأمريكية قبل عشرين عاماً من إغلاقه في عام 1989 ولمدة عشرين عاماً بعد إغلاقه أي في عام 2009 وقد نشرت الدراسة واتضح انخفاض نسب الإصابة بالسرطان في المناطق المحيطة بالمفاعل ولغاية قطر 25 كيلومتر منه.
خلاصة القول إن اقتصاديات الطاقة النووية قد انهارت بدءا من عصر ما بعد فوكوشيما وخلال عصر اكتشاف كميات كبيرة من الغاز في العالم وفي عصر انخفاض أسعار الطاقة المتجددة وبخاصة طاقة الرياح والطاقة الشمسية على نحو لم يكن يتخيله العقل فيما مضى. وفي الوقت الذي تسعى فيه بعض الدول كالصين وروسيا إلى الحصول على الطاقة الكهربائية بأي ثمن فإنه عليها أن تدرك أن مخاطر المفاعلات النووية سواء حصلت كارثة أو لم تحصل فهي عظيمة على التنوع الحيوي وشعوبها وبخاصة الطفرات التي يمكن أن تحدث في الجينات ولذلك فإننا نتوقع أن تكون الحادثة النووية القادمة في الصين ونأمل أن لا يكون ذلك واقعاً ولكن هذه المفاعلات خطيرة للغاية وبخاصة في ظل انحسار مرودها المادي الأمر الذي يجعل من خفض تكلفة انشاءها ضرورة ملحة لدى دول كالصين وروسيا التي لا تأخذ اعتباراً مهماً للبيئة الطبيعية بتنوعها الضروري لاستمرار الحياة على الأرض.