
المسكوت عنه في التعليم
شروق جعفر طومار
لم أكن أتوقع حين كتبت مقالي المنشور في جريدة الغد مطلع الأسبوع الماض حول حادثة الطالب الذي ظهر في فيديو تناقلته بعض المواقع الإخبارية تحت عنوان”طالب أردني ينتقم من سيارة معلمه”، بأن أحداً من الأطراف المعنيين بشكل مباشر بالحادثة سوف يقوم بمراسلتي بخصوص المقال.
ما كنت أتمناه هو أن اقرأ ولو خبراً صغيراً عن إجراء اتخذ من قبل إدارة المدرسة للوقوف على أسباب الحادث والتحقيق فيه. لكن وعلى عكس ما كنت أتمنى وأتوقع، لم اقرأ عن أي تحرك من إدارة المدرسة إزاء ما حدث، ولم تكد تمضي ساعات على نشر المقال لأفاجأ برسالة وردتني على البريد الخاص عبر المسنجر من والد الطالب يحاول أن يشرح لي فيها ما حدث مع ابنه.
في رسالته المهذبة جدا، لم ينسحب والد الطالب من مسؤوليته عن تصرف ابنه بصفته أبا ومربيا، ولم يتوان عن إدانته وتخطيئه على مافعل، وكانت طريقته في تقديم الموضوع تنم عن حرص كبير على سوية ابنه وعلى تحصيله الأكاديمي، ولكن ما بدر من المعلم وفقا للرساله أصابني بالصدمة والغضب واللاجدوى في الوقت نفسه.
الطالب، وكما أخبرني والده، هو ابن الصف الثاني ثانوي (توجيهي)، تأخر في العودة إلى صفه بعد الفرصة، فلم يسمح له استاذه بدخول الصف. أصر الطالب على الدخول لصفه للحاق بحصة الدين التي بدأت، لكن الاستاذ مارس تعنتا ومكابرةٌ، وربما كان الأمر متبادلا من الطرفين، ليتحول الموقف إلى عراك وملاسنة حادة، فما كان من الاستاذ إلا أن “بصق” في وجه الطالب أمام جميع طلاب صفه.
نقل الأستاذ الأمر إلى مدير المدرسة، فقام المرشد بطرد الطالب من مدرسته على مرأى من جميع طلاب المدرسة ومديرها، دون أن يحرك الأخير ساكناً. خرج الطالب من مدرسته وكان ما حدث خارج أسوار المدرسة.
قد تتضمن القصة في حقيقتها مزيداً من التفاصيل التي لم تردني، ولكن مهما كانت التفاصيل الغائبة ذات أثرٍ على فهم الموضوع، فلا شيء يمكنه تبرير فعلة المعلم وطريقته في التصرف مع طالبه، والأسلوب غير المسؤول الذي تم من خلاله طرد الطالب من مدرسته.
لأ أدافع أبداً عن سلوك الطالب الانتقامي وإقدامه على تخريب ممتلكات الأستاذ، لكن تعرض طالب مراهق في المرحلة الثانوية لإساءة بهذا الشكل من قبل مربيه وأستاذه وأمام سائر أقرانه لا شك هو تخريب كبير في بنية هذا الفتى النفسية والمفاهيمية، وقد لا يكون من السهل عليه تجاوزها ولو بعد حين.
ما بدر من هؤلاء الأساتذة، وهم من يفترض بهم أن يكونوا نموذجا لطلبتهم في حسن المعاملة ورفعة الأخلاق وسعة الصدر، هو أمر مشين وإساءة للجسم التربوي بأكمله، وضرب لقيمة المعلم وصورته ودوره، ويجب أن يكون التعامل معه على درجة عاليه من الحزم والصرامة، لضبط العلاقة التي أصبحت ملتبسة بين أطراف عملية التعلم.
لا يمكن إيجاد أي تبرير لسلبية مدير المدرسة في التعامل مع ما حدث، ولا يمكن تفسير قيام مدير تربية المنطقة بغض البصر عنها رغم نشرها في وسائل الإعلام دون أن يكلف نفسه بالاستفهام من مدير المدرسة عن ملابساتها، ولا يمكن التصديق بأن مدرساً يخفق بالتعامل مع طلبته ويسيء إليهم إلى هذا الحد، بينما هو ما يزال على رأس عمله دون أي إجراء بحقه.
السلبية التي تم التعامل بها مع الحدث المتعلق بواحد من أهم وأخطر أركان العملية التلعليمية؛ علاقة الطالب بمعلمه، لا يمكن تفسيرها سوى بأن هناك تعمد لمزيد من التخريب والتدمير للتعليم في الأردن، خصوصا القطاع العام منه، ولا يحتاج الأمر إلى كثير من التنظير والتحذير من مغبة الإفراط في هذه السلبية.
ما نحتاجه بحق هو هبة مسؤولة من كافة المعنيين بقطاع التعليم؛ من أولياء أمور ومختصين وتربويين ورسميين، هبة جادة توقف هذا التهاوي والتردي في العملية التعليمية ومؤسساتها.
علينا جميعاً أن نعترف بمسؤوليتنا عن هذا الخراب الذي أوصلنا إليه التعليم بأيدينا جراء صمتنا وسكوتنا سنوات طويلة على الأخطاء المتعمده وغير المتعمده، وأن نكف عن هذا الصمت ونبدأ بالتحرك كي لا نكون سببا أساسيا في مزيدٍ من تلف الأجيال وضياعها.
هذا الأمر مسؤولية مباشرة للحكومة الغائبة.. ولوزارة التربية والتعليم النائمة.. والتي يفترض أن تدافع عن أساس عملية التعليم، وأقصد به الطالب!
