
حمير الحضارات
شبلي العجارمة
منذ زمن وأنا في قطيعة رحمٍ مع قلمي، وربما لا أعرف لماذا اهتديت أخيراً أن أکتب عن هذا المخلوق الأقوی والأضعف والأغبی والأذکی والأبلد والأصبر والمظلوم بکل إشکالية تناقضاته .
الحمار بطبيعته حيوان مستأنس ويعد نوعاً مستقلاً تماماً عن الحصان وليس کما يشاع بأنه فصيلةً منحطة عن الخيل کما يعتقد البعض.
وبتتبع المسار الزمني لوجود الحمار وبتواجده وأصوله فإنه يعود إلی فصيلتين اثنتين من الحمير البرية کانت تسرح في الزمن الغابر في القرن الإفريقي وبلاد النوبة.
فأول من روض الحمار البري هم فراعنة النوبة خلال العام ٤٠٠٠ق.م ودليلُ ذلك ما تم العثور عليه أثناء الاستکشافات الأثرية في مقبرة أمنحوتب الفرعونية النوبية والتي تعود للعام ٣٠٠٠ق.م بوجود رسومات جدارية تظهر فيها حميراً تم اتخدامها للرکوب ولنقل البضاٸع .
ومن بلاد النيل خرج الحمار عام ١٨٠٠ق.م کمساهم کبير الحضارة في تطور النقل التجاري إلی بلاد الشام حيث انتشر وجوده هناك ، ولعل قانون حمورابي الذي وضعه في بلاد العراق آنذاك الذي نص في مادته علی الحکم بالإعدام علی کل من يسرق حماراً.
لعب الحمار دوراً بارزاً في حضارة اليونان حيث تم استخدامه في النهضة الزراعية والنقل بشکل أوسع وکذلك في جرّ العربات وتحريك الطواحين .
وفي خلال ما يقارب ال٢٠٠٠عام لم يطرأ أي تغيير علی عالم الحمير سوی انتشاره الهاٸل وتواجده علی مساحات أوسع .
الحمار کان ولا زال أقدم أصدقاء الإنسان إذا لا ينافسه في ذلك سوی الکلب ، فالحمار من أشهر الحيوانات بوصفه أممي بطبعه لأنه موجود لدی جميع الأمم وهو إنساني بطبيعته لأنه صديق للبشر وکذلك يعتبر شعبوي لأنه بسيط جداً فهو يتم قيادته واقتياده بسهوله ويسر دون أن يفکر يوماً بأن يقود هو أحداً کان .
في مصر تم تأسيس جمعية خاصة باسم جمعية الحمير الشهيرة، وفي المغرب جمعية أصدقاء الحمير،وفي کراتشي يتم تنظيم سباق خاص بالحمير ، بينما علی الناحية السياسية يشارك الحمار مکرهاً لا بطل في نقل صناديق الاقتراع في أفغانستان للجبال والمناطق الوعرة برغم عزوفه منذ الأزل عن السياسة حضارة أثينا .
في بريطانيا يتم تحديد ساعات العمل للحمار من الساعة العاشرة صباحاً وحتی الساعة السابعة مساءً کما تم السماح له بالتجول حرّاً طليقاً في الحداٸق العامة والمتنزهات الخضراء بخاصة.
في أمريکا اتخذ الحزب الديمقراطي الأمريکي صورة الحمار کشعار عام للحزب ، کما أنه صديق حميم للمهربين في أمريکا الجنوبية حيث يقوم بتهريب الوقود والأسلحة والمخدرات.
ولا يفوتني أن أذکر أن من أشهر الحمير في التاريخ وأکثرها ذيوعاً ووضوحاً هو حمار جحا الشهير ، وأغمض الحمير علی مرّ التاريخ هو حمار الحاکم بأمر الله الفاطمي في مصر الذي خرج بصاحبه الحاکم إلی حلوان وعاد إلی القاهرة بدون الحاکم بأمر الله والذي تم العثور بعد عناء البحث علی ملابس الحاکم ملطخةً بدماٸه وممزقةً عند عين حلوان ولا زال مٶيدوا الحاکم بأمر الله ينتظرون عودته إلی اليوم.
لکن أشهر الحمير في عالم الأدب هو حمار الإسباني خوان رامون الذي فاز بجاٸزة نوبل عام ١٩٥٦ عن مٶلفه ”حماري وأنا “، کما أن أشهر حمار أدبي عربي هو حمار توفيق الحکيم وحمار يحيی حقي ، کما أن أشهر شخصية حمار کارکيتاوري للرسام الشهير عبدالمنعم رضا برسمه الذي يحمل العنوان ” حمار أفندي“، ولعل الحمار الأخطر وصاحب الحق الضاٸع هو الحمار الذي رکبته السيدة العذراء وطفلها المسيح عليهما السلام ومعهما يوسف النجار .
في منتصف القرن الثامن عشر أنصف العالم الطبيعي الکونت ”دي بوفون “ أنصف الحمار باعتباره نوعاً مستقلاً عن الحصان وليس کما يقال بأنه فصيلة منحطة عن الخيل ، ويقول بوفون ” لو أعطي الحمار أهميةً ورعاية کما أعطي الحصان لکان بوسع الحمار أن يقوم بأعمال ليست مجهولة لکنه وقع بين أيادٍ لناس قساة وذوي طباع خشنة“.
ومن ذکاء الحمار أنه يعرف الصوت الذي يراد منه المشي والرکظ والوقف کما أنه يحفظ صوت صاحبه ، کما أن ظهره ينقص فقرة واحدة عن ظهر الحصان الأمر الذي يجعل الحمار أقل طواعيةً لظهره ولذلك يمتاز بالهدوء في المواقف والمآزق الضيقة لذلك يقوم فيما يعرف بالحرنة الأمر الذي يٶمن لصاحبه الآمان ،بينما الحصان يقوم باللجلجة والارتباك ، کما أن جبهة الحمار أعرض من جبهة الحصان لذلك تعتبر زاوية النظر بعينه أوسع من الحصان فيما تقدر ب١٤٥درجة للعين الواحدة لذا يستطيع رفس شخص يعبث به ويضايقه علی بعد متر واحد من حافره ومٶخرته.
في الأساطير اليونانية يقال أن حماراً اسمه ”بوريدان“ تعلم الفلسفة ولم يشتغل بها حيث قيل أنه کان جاٸعاً وعطشاناً ومنهکاً من التعب ، فقام بالتفکير ملياً بطريقةٍ فلسفيةٍ حکيمة وسأل نفسه ” هل آکل أولاً أم أشرب أم سترح ومن ثم أشرب وأأکل وأسترح ، وبقي يتناوب هذه الفکره حتی مات منهکاً وجاٸعاً وظمآناً“.
