حمص أخضر

حمص أخضر
د. محمد شواقفة

قد لا يتم اعتبار هذا المنشور اعترافا بجرائم قد سقطت بالتقدم ولا تشهيرا برفاق الطفولة منذ أكثر من أربعين عاما. و أتمنى أن لا يكون بوح الذاكرة المهترئة عائقا أمام رفاقي بالترشيح للبرلمان يوما ما أو قنص منصب مرموق في الحكومة الآيلة للسقوط.
كان صيفنا خاليا من المتعة و الاثارة لحد كبير، كنا نغبط زملاءنا ممن يجدون عملا و لكننا كنا مجموعة من الشباب الصغار الذين لا يجدون عملا أولا و في غالب الأحيان لا نكون فعلا لدينا الكفاءة او المهارة لممارسة أي عمل و لو بأجر زهيد. كان كثير من أقراننا يعملون ” سخرة” عند أهاليهم في مواسم الحصاد و ” الرجاد” و “الدراس” و عدد غير قليل تجده امتهن بعض الأعمال التجارية البائسة في بيع التين و العنب و الخوخ و المشمش و أحيانا بيع الحلوى المعروفة في القرى بإسم “كريزة”. و هي تشبه “الهريسة” بشكل ما ولكنها ملونة و طعمها غير لذيذ.
كنا مجموعة ليست كبيرة عددا و تستطيع أن تصفنا في الصيف خصوصا بالعاطلين. كانت أحد هواياتنا الذهاب إلى الحقول في محيط قريتنا “كتم” التي تتربع على عدة تلال متقابلة و تلتف حولها الحقول التي تزرع عادة بالقمح و الشعير و العدس و ” الكرسنة” و هذه الأخيرة تكون علفا للمواشي. و يمتد بعدها موسم مميز للحمص و ربما يتقاطع موسمه مع حقول القثائيات من فقوس و جعبور و بطيخ و شمام الذي لا زلت مصرا على تسميته “حروش”. و قد يكون هناك بعض من حقول الباميا التي تشتهر بها منطقتنا.
كان هناك حارس ذكرته مسبقا و أسميته “أبا عصاه” و هو شيخ طاعن في السن و لكنه قوي البنية و رجل ذو سطوة و قوة وربما هذا ما كنت ولا زلت أعتقد. و لكن رغم وجوده فقد كنا نقتنص الفرص لنجمع ما نستطيع حمله من الحمص الأخضر و الذي يسميه أهل الحضر “حاملة” و نفر هاربين إلى حيث نستمتع بغنيمتنا تارة بأكلها خضراء و تارة أخرى بعمل ما نعرفه “بالهويسه” و هي حرق الحمص الأخضر بالنار و بعدها تناول حبات الحمص المحمصة من وسط الرماد.
كنا نلجأ أكثر من مرة إلى جبل كبير يطل على القرية من جهة الغرب و لا يزال معروفا بإسم” منطار محمد الراشد” و هذا جبل لا يستطيع أبو عصاه الصعود إليه لانه فعلا مرتفع و تغطيه نبته شوكية صغيرة اسمها ” البلان”. و قد كان البلان الجاف هو أفضل ما نشعل به نارنا لتكمل أركان الجريمة بالهويسة.
في أحد المرات و بعد أن كان أبو عصاه يراقبنا من سفح الجبل و هو يتميز من الغيظ و هو يرانا و يسمعنا نلهو ونلعب دون اكتراث. بدأ بإشعال النار في كل بلانة يمر عليها حتى بات المنطار شعلة من لهب و لم يكن لنا من بد سوى الانسحاب للنجاة منه و من امتداد النيران.
لا أعلم لماذا تذكرت أبا عصاه و طريقته في ردعنا و منعنا بإحراق البلان الذي ينمو عند سفح الجبل و هو بالمناسبة قريب جدا من الحقول و بطريقة عشوائية و حكومتنا في ملاحقة المصابين بفيروس كورونا.
لا أذكر أنه نجح في منعنا و لا أعرف اذا تبقى أي بلان على ذلك الجبل كي يحرقه حارس هذه الأيام.

“دبوس على العجز”

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى