حقيقة الصورة المحمدية في القرآن الكريم

حقيقة الصورة المحمدية في القرآن الكريم
عبد اللطيف مهيوب العسلي

لقد كان القرآن الكريم هو الدليل والحجة على أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم هو رسول الله إلى الناس كافة والقرآن المعجزة الكبرى الذي أيده الله بها ,
وبما أظهر الله على لسانه من كلام الخلاق
وبما حلاه الله من محاسن الأخلاق التي سطرها لنا القرآن عرفنا أنه رسول الإسلام للناس كافة .

ولأن الله سبحانه يخلق ما يشاء ويختار ما كان لأحد سواه أن أن يملي عليه من يختار ,” ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ” وهو ويصطفي من خلقه من يشاء, كما قال تعالى :(( وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ۗ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ (68) القصص ))
فبالتالي هو سبحانه أعلم حيث يجعل رسالته
قال سبحانه وتعالى :
(( وَإِذَا جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَآ أُوتِىَ رُسُلُ ٱللَّهِ
ۘ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُۥ ۗ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌۢ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُون “124”َ ) الأنعام )

فإن حقيقة الصورة المحمدية الجسمانية والروحانية للرسول صلى الله عليه وسلم قد شرحها لنا القرآن الكريم شرحا وافيا “ولا ينبئك مثل خبير .”
أول وصف لحقيقة هذه الصورة الجسمانية المحمدية التي نفخ الله فيها اكرم الأرواح النبوية ..
أن الله جلا جلاله أنزل القرآن الكريم على قلبه تنزيلا , وفصله في لسانه تفصيلا ففاضى به على ما لا بد منه لكل مسلم ومسلمة، ومؤمن ومؤمنـة، من فرائض القرآن وشرائعه ، في ثلاث وعشرين سنة .
فطهر الله به القلوب من الريب , وزكى به النفوس من الشك ,
وجعله شاهدا ومبشرا ونذيرا ، قال سبحانه و تعالى :
(يـا أيهـا النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيرا، وداعياً إلى االله بإذنه وسراجاً مـنيراً)الأحزاب .
فكان هذا النعت الكريم جامعا لحقيقة الصورتين الجسمانية والروحانية والصورتين المشاهدة في عالم الشهود والصورية الغيبية في عالم الغيب ..
ولا بد أن نذكر بعضا من تلك الخصائص التي أكرم الله به رسوله وخصه بها على سائر خلقه ..
فإن وصف الله جميل وعطاه جسيم يعطي كثيرا من كثير ، وكان فضل الله على رسوله عظيما .
أما سمعت كيف ناداه بلذيذ خطابه وبمحاسن أسمائه ولم يناده ربنا قط باسْمه مجرداً كما نادى الأنبياء قبله، بل كان دائما يقول له: ﴿يَا أَيُّها النَّبِيُّ﴾، أو ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾، أو ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾، أو ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾.
فصلوات الله وسلامه عليك يا سيدي يا رسول الله فما عسى أن يقول ذو فصاحة وبيان أو يثني ذو بلاغة ومقال وقد وصفك ذو الجلال بصفاة شريفة فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً للْعَالَمِينَ﴾(الأنبياء: 107)، وقال سبحانه وتعالى : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾(التوبة: 128).
وقال سبحانه: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ منَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ (المائدة: 15).
وأما وصف الصورة الجسمانية الطاهرة :
فقد ذكر القرآن الكريم أعضائه الشريفة , ولم نجد ذكرا وثناء لأحد من المخلوقات شبيها أو ممن اصطافاهم بمثل هذا التفصيل قط ..
□ فزكى ربنا وجهه الشريف صلى الله عليه وسلم في كتابه العزيز، فقال سبحانه: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾(البقرة: 144)،
كذلك ذكر وجهه في مواضع أخرى وحالات مختلفة من ذلك قوله تعالى تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾(البقرة: 144)، وقال: ﴿وَمِنْ وقال سبحانه وتعالى : : ﴿فَإنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾(آل عمران: 20). وقال تعالى:
﴿وَاَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ للِدِّينِ حَنِيفاً﴾(يونس.

□وكذلك زكى الله عَينيه صلى الله عليه وسلم في أكثر من موضع في قرآنه، فقال سبحانه: ﴿لاَ تَمُدَنَّ عَيْنَيْكَ إلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ﴾ (الحجر: 88)، وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾(الكهف: 28)، وقال
□ وزكى الله رؤيته صلى الله عليه وسلم في أكثر من موضع فقال سبحانه: : ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾(النجم:12 } .
ومن ذلك قوله سبحانه ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾(النجم: 18)، وفي هذا ثناء على رؤيته .
□ وزكى سبحانه وتعالى بَصَره الشريف صلى الله عليه وسلم في أكثر من موضع من كتابه العزيز فقال تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾(النجم: 17)، وفي هذا السياق مَدحٌ فوق الذكر؛ إذ أثنى ربنا على البصر وأنه صادق غير زائع.
□ ولقد ذكر الله أُذنه صلى الله عليه وسلم في أكثر من موضع وفي ذلك تزكية لسمعه كذلك، فقال تعالى في ذكر الأُذن رداً على الكافرين: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (التوبة: 61).
وزكى ربنا سبحانه وتعالى منطقه فقال:
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (النجم: 3)، فبيّن صدق منطقه صلى الله عليه وسلم وصواب حديثه.
□ وزكى صوته آمرا وزاجرا المؤمنين ألا يرفعوا أصواتهم أعلى من صوته فقال سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ (الحجرات: 2).
□ وزكى سبحانه وتعالى لسانه الشريف صلى الله عليه وآله وسلم في أكثر من موضع في كتابه العزيز فقال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾(مريم: 97)، وقال: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَـانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾(الدخان: 58)، وقال سبحانه: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ (القيامة: 16).
وزكى الله سبحانه وتعالى صَدره الشريف صلى الله عليه وسلم في كتابه العزيز كذلك في العديد من المواضع فقال تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ (الشرح: 1)، .
وزكى الله قلبه الشريف صلى الله عليه وسلم في أكثر من موضع في كتابه العزيز، فقال سبحانه: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾(آل عمران: 159)، وقال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (الشعراء: 193-194)، .
□ وبمعنى مرادف للقلب زكى الله سبحانه وتعالى فؤاده صلى الله عليه وسلم فقال تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾(النجم: 11)، وقال سبحانه مبشِّرا له: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ (هود: 120)، وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً﴾ (الفرقان: 32).
“فما عسى أَنْ يُقَالَ فِي ْمَنْ وَصَفَهُ الْقُرْأَنُ، وَأَعْرَبَ عَنْ فَضَائِلِهِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيْلُ وَالزَّبُوْرُ وَالْفُرْقَانُ. وَجَمَعَ اللهُ لَهُ بَيْنَ رُؤْيَتِهِ وَكَلاَمِهِ، وَقَرَنَ اسْمُهُ مَعَ اسْمِهِ تَنْبِيْهًا عَلَى عُلُوِّ مَقَامَتِهِ. وَجَعَلَهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِيْنَ وَنُوْرًا. وَمَلَأَ بِمَوْلِدِهِ الْقُلُوْبَ سُرُوْرًا ..■
….. …………
خاتمة
• وفي الختام فمن أحسن من وصف من المحبين هذه الأبيات
من قول الإمام البوصيري رحمه الله إذ يقول:
• فهو الـذي تم معناه وصورتـه
• ثـم اصطفاه حبيباً بـارئُ النسمِ
• منـزهٌ عن شـريك في محاسـنه
• فجوهر الحسـن فيـه غير منقسمِ
• دع مـا ادّعتْهُ النصارى في نبيهم
• واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم
• وانسب إلى ذاته ما شئت من شرف
• وانسب إلى قدره ما شئت من عظمِ
• فإن فضل رسـول الله ليـس لـه
• حـدٌّ فيعرب عـنـه نـاطقٌ بفمِ
• وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

دعاء :
اللهم قربنا منك بقربه واحسبنا عندك بحسبه, واجعلنا من أحب الناس إليه ومن أولاهم بقربه , وأحقهم بجواره , وجعل دلالتنا عليك به ومعاملتنا معك من أنوار متابعته وصل اللهم أفضل صلواتك وأزكى تحياتك وأنمى بركاتك على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق ناصر الحق بالحق والهادي إلى صراطك المستقيم حق قدره ومقداره العظيم وعلى آله شموس سماء العلا وأصحابه والتابعين ومن تلى وسلم تسليما كثيرا في كل وقت وحين . واغفر اللهم لنا والمسلمين وارحمنا والمسلمين وجنبنا شر المصائب والحروب وخارجنا منها مخرجا جميلا وهيء لنا ولأهل اليمن والمسلمين من أمرنا رشدا والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى