حديث العطر .. / جابر مصلح

حديث العطر ..
ما بالكَ تطيلُ النظرَ إليها ؟! .. ما هي إلا قارورةُ عطرٍ فارغة ، قال كلَّا .. بل هي مليئةٌ بالذكريات .

أمسَكَها .. و قلَّبها بينَ يديه .. عيناهُ تلمَعان ، و ابتسامةٌ مرتجفةٌ تعلو شفتيه ،
ناديتُه .. إحذر ، لا ينسكبْ منها بعضُ الذكريات .

سألتُه و قد قرَّبَ القارورةَ من أُذنِه ، أيقُول لكَ ذلكَ العطرُ المسافرُ شيئاً ؟ .. قال : ها أنا أنتظرُ أن يبدأَ حديثَه ، إن شئتَ قاسمتَني انتظاري ، و إلا فاتركني أعاقرُ جنوني ، فابتسمتُ ابتسامةً فيها سخريةٌ و جنون ، و قلت : و من أخبرَكَ أنّي عاقل ؟! .

نظرَ إليَّ .. و ملأَ صدرَهُ بشهيقٍ أعمقَ مما ذهبَ إليهِ خيالي ، و قال : أنا الذي في كلِّ ذرةٍ مني حكاية ، أنا المغادرُ الباقي ، أنا الذي أغيبُ عن العيونِ و أبقى عالقاً في الذاكرة ، حتى إذا ما تقادَمَ عليَّ الزمانُ ، استحلتُ ذاكرةً تحفظُ كلَّ ما أحاطَها إذ كنتُ حياً يستنشِقُنِي الهواء .

مقالات ذات صلة

وضع قارورةَ العطرِ أمامه ، و اقتحمَها بنظرِه ، و تابعَ قائلاً : أنا الساكنُ في كلِّ مكان ، في الوسائد ، و في طياتِ ثيابِ الغائبين ، أنا الذي لا ينسى موطنَه ، فحتى لو أفناني الزمان ، أتركُ بعضي مُتعلقاً بجدارِ قارورةٍ عشتُ فيها ، يراها الناسُ فارغة ، إلا أنها تحتضنُ رفاتي .. و تزخرُ بذكرياتي .

سألتُه .. ما عدت أدري , أأنتَ المُتحدِّثُ أم عطرُكَ الغافي على أغصانِ الحنين ، قالَ و قد حوَّلَ بصرَه باتجاهِ النافذة : و ما الفرق؟! .. فما أنا إلِّا نثارُ ذلكَ العطر ، و ما هو إلا صورتي التي تداخلَتْ ألوانُها ، فصارَتْ كظلٍّ يموجُ على صفحةِ جدولٍ عندَ انعطافهِ الأخير ، هناك .. قبلَ نهايةِ الكون .

قلتُ و في نفسي عليه إشفاق : و هل ستبقى حبيسَ قارورةٍ منسية ؟! ، هلَّا انطلقت و أبقيتَها بينَ يديك ؟ ، قال : و أينَ أنطلِقْ ؟ كلُّ ما حولي يَشِي بنسياني ، و يحيكُ الأكاذيبَ بينَ الزهور ، و يقولُ لها : لا تصدقيه .. إنَّهُ العطرُ الذي خانَ الذكريات .

صدقني ، لم أخن الذكرياتِ يا صديقي .. قد أسافرُ بعيداً ، أحلِّقُ متناسياً جراحي ، إلَّا أنَّني أحملُ بينَ ذراتي غصاتٍ و ابتساماتٍ خالدة ، لا أنساها أبداً ، كلُّها تعودُ غضةً وليدةَ اللحظة ، أبكي معها و أضحك ، أستمرُّ في رحلتي ، و أتناسى .. و لكنَّني أبداً لا أخون .

قلت : و ما لي لا أجدُني أميلُ بعاطفةٍ إلى حديثِكَ المتاقطرِ شجناً ، فإنِّي أراكَ تُمثِّلُ دور المُتَّهَمِ أو الضحية ، تظهرُ أمامي بوجهٍ حزين ، و أنتَ أيُّها العطرُ من روَّادِ الفرح ، أَوَتكذب ؟! .. أم أنِّي أظلمُكَ ؟ .

لا يا صديقي .. لا أنا أكذب ، و لا أنتَ تظلمُني .. أولا تعلمُ أنَّ في الحياة كثيراً مما يجعلُ العطرَ يحزن ؟! ، و إن حزنَ العطر .. فاعلم أنَّ ما أصابَهُ عظيم .

و قبل أن ينطلق لساني بسؤالٍ جديد ، أشاحٙ بوجهه عني ، و تابع التحديق في قارورته ، متجاهلاً وجودي .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى