
جِنّوا ونطّوا
مِن المعلوم للكثيرين أنّ جذر كلمة “ج+ن” ينطوي دائماً على معاني الاستتار والاختفاء والغياب وعدم اتّضاح الرؤية والظلامية وغيرها من المترادفات وأشباه المترادفات؛ وجميعها يستلزم وجود المعاني السلبية أو ما يرتبط بمثل تلك المعاني مِن متلازمات لفظية و معنوية وحسّية… 🙁 لذلك فقد قال الله في قصّة إبراهيم عليه السلام: “فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ” 🙁
ولإنّ من مظاهر تخلّف الأمم انشغالها في عصور الانحطاط بالحديث عن عالم الغيب لعجزها عن معالجة مشاكل عالم الشهادة والواقع، فقد كان حديث الكثير من الأردنيين اليومي مُنصبّاً على الخوض في الحديث عن السحر والجنِّ في جميع جوانب حياتهم مِن زواج وطلاقٍ ومرضٍ وفقر وحُبّ وكُره؛ واليوم فقد ‘زاد الطين بلّة’ وبات حديث معظم الأردنيين عن العمل الهابط المُسمّى بِ “جِنّ” 🙂
فهل ‘ركِبَنا’ الجِنّ واستحوذت على عقولنا وأرواحنا العفاريت والشياطين إلى هذه الدرجة الغريبة لنُشغلَ أنفسنا وصفحات مواقع التواصل الاجتماعي ومجالسنا بالحديث عن جِنّ الشياطين وجِنّ ‘الفنّانين’ أو مَن ينتسبون إلى الفن… 🙁 يا سادة، والله إنَّ في بلادنا الملايين من مشاكل الإنس التي تفوق مشكلة ‘جِنّ’ وجميع مشاكل ‘الجِنّ’ منذ سندباد وحتّى يومنا هذا… 🙁
فبيوتنا غابت عن الكثير منها ضوابط تنشئة الأبناء: هذا جِنّ 🙁 مدارسنا غاب عن الكثير منها التربية والتعليم: هذا جِنّ 🙁 رجالنا غاب عن الكثير منهم الحسُّ بالمسؤولية عن أهل بيتهم: هذا جِنّ 🙁 نساؤنا غاب عن الكثير منهنّ الشعور بالأمومة وبواجبات الزوجية: هذا جِنّ 🙁 جامعاتنا غاب عن معظم سياساتها وممارساتها القيام بدورها في بناء الجيل المسؤول والمُبدع والمُنتمي: هذا جِنّ 🙁 مجتمعاتنا غابت عن أغلبها مظاهر التكافل والتحابب وحلَّ مكانها التحاسد والتباغض والتناجش:هذا جِنّ 🙂
وحتّى لا نبقى طوال حياتنا نخوض في دائرة العبث ونمارس ونناقش قضايانا بأسلوب أمثال نانسي عجرم “جِنّوا نطّوا جِنّوا نطّوا جِنّوا نطّوا”، فتلكم هي الأمور والقضايا التي يجب علينا جميعاً أن نقوم بالتركيز عليها ومحاولة إيجاد حلول لها؛ وعندها ستختفي قضايا عالم الجِنّ وأمثال مسلسلات ‘جِنّ’ وقضايا الدخّان والفوسفات والغاز… وعندها لن يجِنّ الليل علينا بل سيبزغ الفجر وسيُشرق الصُبح… وسننهض ونتقدّم وسننجح وسنُفلِح 🙂 وإلاّ فسيكون مصيرنا لا سمحَ الله كمصير الأمم البائدة كقوم لوط الذين قال الله فيهم : “إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ”
#والله_واتلولحي_يا_دالية


