
جهيزة واحدة والخطباء کثر
شبلي العجارمة
شرب کأس الماء تحت سماء البيت الأبيض ثم ابتسم ساخراً علی مرأی سفراء العرب الذي حظوا بلعنة الله والتاريخ ، وعلی مرأی ما يزيد عن مليار ونصف المليار مسلم بکل زعماٸهم ورموزهم وقادتهم ، ثم قال :”نحن في الشرق الأوسط بعد أن نقطع مسافةً طويلة نشرب کأساً من الماء“ ، هذه هي صفقة القرن بلغة وبلاغة النتن ياهو الموجزة، إحدی عشرة کلمة وشربة ماءٍ کانت جهيزة إسراٸيل قد قطعت آلاف الخطب والمٶتمرات والاجتماعات والتصريحات والتهديد ، هذا ما يفعله الآخر الذي قرأ درسه جيداً وتفوق ، ترك الکلام بعد أن أنجز ، ونحن تحدثنا کثيراً عبر أثير الريح ولم ننجز أي شيء وسقطنا سقوطاً مذلاً مدوياً.
لقد هزمناهم بأغانينا الحماسية وأهازيجنا الوطنية، قبل القرآن يطل علينا عمر العبداللات کتعويذةٍ طنية حماسية وبعد القرآن يلهبنا ماجد زريقات بوصية أبيه بالشهادة ، وفوق هام السحب حلق بنا محمد عبده أبو نوره وکلنا کتبنا مع جوزيف عازار أسماء بلداننا علی الشموس التي لا تغيب،وقلنا مع سلوی العاص ولفي شاري الموت لابس عسکري، هکذا أدرنا المشهد نحن العرب شعراء وملحنين ومطربين تزاحموا علی بوابات النصر الواهمة وأحلام المارشميلوا، وبعد جهيزة القرن ارتطمنا بالجباه السمر والکوفيات الحمراء والزنود المفتولة.
تفنن الزعماء في ضروب الرفض ، وتلاعبوا بکل أدوار التمثيل علی أوبرات العالم أجمع ، مثلوا علی شعوبهم ولا زالوا يمثلون علی شعوبهم في أصعب مرحلةٍ للحبکة المعقدة بعدما أجهزوا بأسياف الجوع والإذلال علی شعوبهم تمهيداً لسجرهم بکأس الخشخاش الأخير حسب تعاليم الطبيب الشجاع دونالد ترامب، في حلقات الموت الأخير لفلسطين وشعبها ستبقی النهاية مفتوحة بينما البطل الصهيوني يبدأ حياةً ومرحلةً جديدة في مرحلة استجمامٍ بانتظار السيناريو الجديد لمسلسلٍ قادم.
لن يتأخر الهوليودي الأمريکي کثيراً بدفع الأجور بالدولار الذي أذل الجباه للشخصيات الهامشية وغير النامية وللکومبارس وللمصورين وکتاب السيناريو ومصممي أزياء اللعبة وفنييِّ الديکور ، ولکل الراٸعين کما وصفهم ترامب ، لکن البطل الحقيقي فاز بالمسرح والمتفرجين والجمهور وکل الممثلين للانتقال إلی مسلسلٍ جديد .
أين الجيش الثالث وأين أسراب الطاٸرات التي سمعت أن بعضها بلا طيار من کثرتها وزحمتها علی المدارج،أين صفقات التراسانات المدججة ، أين المناورات المشترکة ، أين الأسد التعبان والناٸم والجاٸع ، أين الصقر الأعرج والنسر الأعور ، أين اللاءات التي هزمتها آه ونعم واحدة، أين کرنفالات الاستقلال ورمز العروبة والإسلام باتت مغتصبةً ومستعمرة وتم مصادرت تاريخها وأرضها وإنسانها وبطولات شهداٸها وتشريد من تبقی منهم أحياء کالمموتی ؟،أين المبادیء التي حررتنا من تحت دلف أحمد باشا الجزار ووضعتنا تحت مزراب الصهاينة ؟، أين حکايات الجنود والشهداء عن معرکة المخفر واللطرون وجبل المکبر وباب الواد؟، ماذا نقول لحابس باشا الذي أسر شارون ذات يوم وأذلّ جبينه ؟ ماذا نقول لمحمد هويمل الزبن وحميدان غيث المناعسة وکايد عبيدات وراشد مليحان بني صخر ؟، بماذا سنحدث أطفالنا وبأي الفحولات سيأتي الرجال خميسات زوجاتهم لينجبن العسکر والقادة ؟.
لم أعرف لذةً للموت کحاجتي له هذه الليلة، لم يحدثني أحد بأن الموت راحةً أبدية أفضل بکثير من مذاق الذل العلقمي المغمس بالحنظل ، لم أعرف أن عدم ولادتي خيرُُ من هذه السني التي عشتها أملاً وقتلتني خذلانا وإحباط .
جهيزة شربت کأس الماء بعد إثنين وسبعين عاماً ، وخطباٶنا المليون لم تجف لهم ريق ولم يتعرق لهم جبينُُ بعد، وعلی أول عرسٍ وطني سنردد نفس الحداء :
هبت النار والبارود غنّی أطلب شباب يا وطن واتمنی .
