جمال وقلوب دافئة تحت قبة سماء باردة

#جمال و #قلوب_دافئة تحت قبة #سماء_باردة
د. #أيوب_أبودية- موسكو
ليست الرحلة مجرد انتقال في المكان، بل هي رحلة في الذاكرة والوجدان. ومن بين كل البقاع التي تركت في نفسي أثراً، تأتي موسكو في المقدمة، لا كعاصمة هائلة وحديثة فقط، بل كلوحة فنية حية جمعت بين عراقة التاريخ ورشاقة الحداثة، وبين صخب الحياة وهدوء الطبيعة وجمالها.

ما إن تطأ قدمك شوارع #موسكو حتى يلفتك ذلك النظام المدهش، وهو أول مفاتيح جمالها. فالشوارع نظيفة بشكل لافت، كأنها تستعد باستمرار لاستقبال ضيوف مهمين. والأهم من جمال المباني والشوارع، والهدوء الناجم عن عدم إطلاق أبواق المركبات رغم الازدحام الشديد، هو الشعور العميق بالأمان الذي يلفّك منذ اللحظة الأولى. يمكنك السير في أحيائها المختلفة في أوقات متأخرة وأنت مطمئن البال، فهي مدينة تحترم قاطنيها وزائريها على حد سواء.

ولعل أحد أبرز مظاهر هذا الاحترام هو العلاقة المتوازنة بين المركبات والمشاة. لقد أذهلني ذلك المشهد المتكرر: أن يقترب إنسان من ممر المشاة، فتقف له المركبات من مسافة بعيدة، فيعبُر وهو آمن مطمئن. إنها ليست مجرد قاعدة مرورية، بل هي ثقافة مجتمعية تعلي من قيمة الإنسان وتؤكد على حق الحياة والسلامة للجميع. هذه اللفتة البسيطة تجعل من التجول في المدينة متعة حقيقية، وتختصر فلسفة ثقافية عميقة في احترام الآخر.
وعندما تحاول مركبة الركون في موقف ما في الشارع تجدها تحاول جاهدة كيلا تطأ عجلاتها على الخط الأبيض المخصص لها. وإذا كانت على الطريق تلتزم بمسربها تماما، لذلك لا تسمع زعيق أبواقها ولا تجد توترات بين السائقين أو تسمع ملاسنات أو غير ذلك. لذلك خلصت إلى أن التطبيق الصارم لقانون السير الذي انتهجته الدائرة في الاردن مؤخرا هو خطة سليمة نتيجتها تخفيف أزمة السير واضفاء هدوء أكبر على العاصمة.

المواصلات العامة في موسكو هي عالم قائم بذاته من الكفاءة. فشبكة المترو الأسطورية ليست مجرد وسيلة نقل، بل هي متحف تحت الأرض أيضا. تنزل إلى محطاته لترى تحفاً معمارية وفنية تروي تاريخ روسيا عبر جدران الرخام والثريات الباهرة والتماثيل والفسيفساء. وهو فوق هذا كله، سريع، منتظم بشكل لم أجد دولة أوروبية مثله، وبتكلفة منخفضة بشكل يدعو للإعجاب، مما يجعلك تتنقل بين أطراف المدينة المترامية بسهولة ويسر وسرعة، كأنك تقطع أحياءً صغيرة متجاورة.

مقالات ذات صلة

لكن روح موسكو الحقيقية لا تكمن في حجارتها وإسفلتها ووسائل نقلها ومساحتها العظيمة ومعالمها العريقة فقط، بل تتنفس الهواء العليل عبر مساحاتها الخضراء التي نحن محرومون منها في الاردن، ربما باستثناء حدائق الحسين وغمدان. المدينة تزخر بالحدائق الغناء والأشجار الباسقة التي تلبس ثوباً مختلفاً في كل فصل. وفي الربيع والصيف، تتفتح الورود بألوانها الزاهية في كل مكان: في الساحات العامة، حول النوافير، وعلى جوانب الطرق، لترسم بفرشاتها الطبيعية وألوانها الزهية لوحة بهيجة تنسيك قسوة برد الخريف، وقد وصلت الحرارة وأنا هنا الى درجة الصفر قبل نهاية شهر أيلول. فحدائقها ليست مجرد متنزهات، بل هي رئة المدينة وروحها الشاعرية، حيث يمكنك أن ترى العائلات تتنزه، والفنانين يرسمون، وكبار السن يقرأون في هدوء تحت ظلال الأشجار الوارفة.

ولا يمكن الحديث عن موسكو دون الوقوف طويلاً أمام قلبها النابض: الكرملين والساحة الحمراء. إنهما ليسا معلمين سياحيين عاديين، بل هما خلاصة التاريخ الروسي وعنفوانه. أن تقف في الساحة الحمراء محاطاً بجدران الكرملين التاريخية، وكاتدرائيتها ذات القباب الملونة، والمتاجر الفخمة والمطاعم البديعة، مثل مطعم دكتور جيفاكو الواقع في المبنى الذي تأسس فيه اتحاد البركس.
والساحة الحمراء شهدت أحداثاً عظيمة، وفيها تجد جسد لينين العظيم مسجى على سرير وهو محنط كأنه نائم، وتجد بالقرب منه شواهد قبو شخصيات سوفياتية مهمة. وقد تحولت اليوم إلى مكان يجمع بين الماضي العريق والحاضر النابض بالحياة وبالسياح من شتى أنحاء المعمورة، حتى في أيام الحرب الحالية التي بالكاد تلحظ مظاهرها.
وأهل موسكو، رغم ما يُشاع عن جديتهم، فإنهم يحملون في داخلهم دفئاً لا تُخطئه العين. قد لا يبادروك بالابتسامة، لكنك إذا سألت عن اتجاه ما أو احتجت مساعدة بسيطة، ستجد المساعدة الحانية، والرغبة الصادقة في توصيلك إلى وجهتك، حتى لو تطلب ذلك منهم مشواراً إضافياً او تفويت رحلة قطار. إنه كرم الضيافة الروسي الأصيل، الذي يظهر في اللحظات البسيطة، لا في الكلمات الرنانة، والذي سمعته من زملائي الذين درسوا في الاتحاد السوفيتي مثل المهندس حسين الحمود والمهندس إسحق بوران والدكتور خليل غندور والاستاذ رشيد الخصاونة.

في الختام، موسكو هي أكثر من مدينة؛ هي تجربة حسيّة وروحية كاملة تلامس كل شيء فيك بفعل تاريخها الزاخر بالأدب العالمي والفن الرائع والفلسفة الكونية والموسيقى العظيمة والعلماء الكبار ؛ هي أمان الشوارع، حتى في زمن الحرب، ونظافة الأرصفة، واحترام السائقين والمشاة، واحترام الاطفال وكبار السن الذين لهم الاولوية للجلوس في وسائل النقل العامة، وكفاءة المترو، وعطر الورود في الحدائق، وعبق التاريخ في ساحاتها، ودفء الأنسنة في قلوب أهلها. هي مدينة تثبت أن الجمال الحقيقي هو ذلك الذي يجمع بين قوة النظام ودفء المشاعر؛ بين صخب الحضارة وهدوء الطبيعة. سأظل أحمل ذكراها في قلبي كوردة جميلة أزهرت في أرض الثلج وتركت عطرها يعبق في روحي إلى الأبد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى