
جدلي لي شعري يا ماما ..
على هامش مقالة الأستاذ أحمد الزعبي المنشورة يوم الأثنين بعنوان ( قتلة سدين ) …
على موعد مع ملائكة السماء ، فما ينفع التجديل والبكاء ؟
تلك جنات النعيم تُفتَرشُ أمامك ، وطيور الجنان تتأهب لجنابك ، ومياة الكوثر تترقرق بين مفارق ذوائبك ، فلتشربي شربة هنيئة لا ظمأ بعدها ، ولتغتسلي من قذارات الدنيا بالثلج والندى ، حمامةً بيضاء ناصعة ،ثوباً نقياً ، صفحةً بيضاء طاهرة ، لا دماء ولا بصمات لقتلة ، ولا أدوية نافقة تنذر بالثبور والفناء ، ولا إبر تقدم التسكين ،لبشر هانئ مستكين مطعون في أغلى ما يملك ، فلذة كبده ،ووطنيته ، ثم الطعنة النجلاء لإنسانيته .
“حسبي الله ونعم الوكيل ، في كل من تسبب في موت ابنتي سدين ” رسالة وجهتها والدتها لكل من يسمع أو يقرأ عن قضيتها .
الرسالة الأخطر ، ثمة سؤال حملتّني إياها أمانة في العنق ، إلى الطبيب المشرف على علاج ابنتها في مشفى رحمة :
” لو كانت ابنتك مكان سدين ، هل تتركها في المشفى التعليمي ،صراخها يملأ جنبات المكان ، في انتظار إعفاء لمدة أربعة أيام ، وهل كنت سترفض خروجها متعللاً بالخوف من عقوبة متوقعه ، بإن يخصم من راتبك إذا أخرجتها بسيارف إسعاف ….
وهل كنت ستتقبل جثمان طفلتك، وقد دخلت تمشي على رجليها ، تمزح وتمرح وتلعب ، ثم تكتشف أن حالتها بحاجة لطبيب أعصاب دماغ ،ويقال لك ليس في المشفى أخصائي إلا مدير المشفى نفسه ؛ فحسبي الله ونعم الوكيل وكفى .
سدين ، لم تكن مجرد طفلة ماتت بسبب الإهمال والتخبط الطبي ،لم تكن ملفا أضيف بين ملفات الأخطاء ،وغاص بين تلول كثيرة من الملفات المهترئة ،بل كانت صرخة هزت ضمائر الأردنيين ، الضمائر الغاصّة بقصص كثيرة ، ومواقف عديدة ، ذاقها الفقراء أثناء مراجعاتهم للمشافي الحكومية ، حيث الانسان كورقة السجل الصفراء ،ترمى من شبّاك إلى شباك ، وحيث مسلسل طويل من المعاناة ، وما أكثر الملفات لو أردنا فتحها !
سدين ، ليست مجرد قضية تطرح ، فهي قضية وطن حين صعدت روحها إثر إبرة خاطئة ، فقضت شهيدة الغدر والخذلان ، شهيدة الإهمال، رهينة التسعير ، والبيروقراطية المقيته .
كشفت سدين بموتها كيف يُسعر أبناء الوطن من أعلى كرسي ، لأدنى حصيرة ……
في الوقت الذي يزدهي فيه أصحاب المناصب بتعيين أنجالهم واختلاق مواقع الفرح ، تنصب فيه المشانق لرقاب الفقراء البسطاء ، ليرتهن أبناؤهم بالقليل من الدنانير والتافه من الإجراءات التي لا تقارن جانب حيوات البشر .
لن أعيد ما تناقلته مواقع التواصل ،وما تناثر من أخبار ومقابلات في قضية سدين ،ولكن ثمة جديد ربما لم يكشف بعد والذي استأذنت والدي سدين في نشره :
أمس اتصلت مرافقة لمريضة كانت إلى جوار الطفلة ، تخبر عن أمانة بحوزتها تخص سدين ، وأنها تنتظر اللحظة المناسبة لإعادتها ، تروي : استغلت الطفلة غياب والدتها للحظات ، وقدمت لي حلقها ،تقول بنبرة طفولية :أهلي دفعوا كل اللي معهم لعلاج أخوي عبود ، مشان الله يا خالتي ساعدوني .
والد سدين مدين بالآلاف ، بسبب عملية زراعة كبد لطفله ، منذ أشهر وهو الأن يعيش فترة نقاهة ، اضطر الرجل إلي بيع منزله في عمان ورهن سيارته لإتمام تكاليف العلاج. فأحست الطفلة بالخوف وكأنها تستشرف المستقبل وقد عاشت معاناة أهلها ، والطفلة لم تكن تنقصها الفطنة .
إلى كل من يتابع قضية الطفلة سدين ، قانونيا ،واجتماعيا وإنسانيا ، لنعلم جميعا أن رؤوس الفساد كثيرة ، ولأوجه الفساد كلاحة وجبروت، فقد يظنون أن حق الطفلة قد تفرق بين القبائل ، لكن هيهات ،فالحق أبلج ، والعاقبة للمتقين .
أخيرا ،أهمس في أذن كل من يلقي برأي في حملة دعائية مضادة لقضية سدين ، وأقصد من الصحافة والتلفزة المأجورة .
ويختلق من القصص حول ظروف عائلتها ، سمعت منها ما أضحكني ، وأبكاني معا ، فأنا أعرف العائلة عن قرب ، أقولها لله وأمانة في عنقي ، هي عائلة امتحنهم الله في مرض فلذاتهم ، امتحاناً صعباً يحتاج قلوباً صابرةً نقيةً مؤمنة لاحتماله ، وأهمس في أذن أي صحفي مأجور مجددا ، قد لا تستطيع احتمال مثل هذا الابتلاء ، فاتقوا الله يا رعاة الأقلام ،واحذروا من لقمة عيش يأكلها أبناؤكم ،تكون مغمسة بظلم الغلابى ،أو رشاوى المتنفذين ، ودعوا القوانين تأخذ مجاريها، عسى فرج البلاد والعباد وإنصافها يكون قريباً .
ماجدة بني هاني / كفريوبا

