جامعة اليرموك ورؤية إربد عاصمة اقتصادية 2030: راية المجد ومسار المستقبل

سواليف

جامعة اليرموك ورؤية إربد عاصمة اقتصادية 2030: راية المجد ومسار المستقبل
بقلم: أ. د. محمد تركي بني سلامة
الأفكار العظيمة لا تولد مكتملة، ولا تهبط من سماء الطموح دفعةً واحدة؛ إنها تبدأ دائماً بخطوات صغيرة، يخطوها مؤمنون بقضايا شعوبهم، منحازون لآمال الناس وهمومهم، ومتيقنون أن التغيير الحقيقي فعلٌ تراكمي تصنعه الإرادة قبل الإمكانات. هكذا تبدأ الحكايات الكبرى: فكرةٌ تتقد في عقل، تتحول إلى مبادرة، ثم إلى مؤسسة، ثم إلى مسار وطن. ومن هذا المنطلق، نفهم كيف تتحول الجامعات إلى قلاع معرفة، وكيف تتحول المدن إلى عواصم اقتصاد، حين تتوافر القناعة الصادقة بأن المستقبل يُبنى ولا يُنتظر.
في اليوبيل الذهبي لجامعة اليرموك، نستحضر رايةً لم تكن مجرد شعار، بل كانت التزاماً عميقاً برسالة العلم. هذا الاسم الذي ارتبط تاريخياً بمعركة اليرموك عام 636م، لم يكن مجرد استدعاءٍ لماضٍ مجيد، بل استلهاماً لروح التحول والانتصار. ففي تلك اللحظة التاريخية، التقت الإرادة بالإيمان، وصُنعت نقطة انعطاف في مسيرة أمة. واليوم، تواصل الجامعة حمل المعنى ذاته؛ انتصارٌ من نوعٍ آخر، عنوانه المعرفة، وسلاحه البحث، وميدانه بناء الإنسان.
خمسون عاماً من العطاء لم تكن مسيرة زمنية فحسب، بل مسيرة تأثير. أجيال تخرجت، ومؤسسات تعززت، وأفكار نضجت، وقيادات تشكلت في فضاءات اليرموك. لقد كانت الجامعة على الدوام أكثر من مؤسسة تعليمية؛ كانت بيئة تفكير، ومختبراً وطنياً لإنتاج الكفاءات، ومنصةً لصناعة الوعي. ومن هنا، يصبح من الطبيعي أن تتقاطع هذه المسيرة مع طموح أكبر، يتمثل في رؤية إربد عاصمة اقتصادية 2030.
ومن يمن الطالع أن يتزامن اليوبيل الذهبي مع تشكيل اللجنة الوطنية لهذه الرؤية الطموحة. فالرؤية الاقتصادية لا تُبنى في فراغ، بل على أرضية معرفية صلبة، وعلى إرثٍ من العمل المؤسسي الرشيد. وإذا كانت الجامعة قد كرّست نصف قرن لبناء الإنسان، فإن الرؤية تسعى إلى توظيف هذا الإنسان في معركة التنمية الشاملة؛ معركة لا تُحسم بالشعارات، بل بالحوكمة، والتخطيط، والاستثمار في الطاقات المحلية.
إن إربد، المدينة التي احتضنت اليرموك واحتضنتها اليرموك، تمتلك اليوم مقومات التحول إلى مركز اقتصادي حيوي. فهي مدينة الشباب، ومدينة الكفاءات، ومدينة التراكم المعرفي. وما بين راية التاريخ وراية العلم، ترتفع اليوم راية الرؤية؛ رؤية تؤمن بأن الاقتصاد الحديث يقوم على الابتكار، وربط التعليم بسوق العمل، وتعزيز بيئة الأعمال، وتمكين الريادة.
ليست هذه لحظة احتفال فحسب، بل لحظة مسؤولية. فكما بدأت الجامعة بخطوات صغيرة قبل خمسين عاماً، يمكن لرؤية 2030 أن تبدأ بخطوات عملية، مدروسة، يقودها مؤمنون بقدرة مدينتهم على النهوض. وعندما تتكامل الإرادة مع التخطيط، والفكرة مع التنفيذ، يصبح الطموح واقعاً، والحلم برنامج عمل.
في هذا التلاقي بين جامعة اليرموك ورؤية إربد عاصمة اقتصادية 2030، تتجسد قصة مدينة تعرف أن المجد لا يُورث، بل يُصنع. خمسون عاماً مضت واليرموك راية علمٍ، وذاكرة إنجاز، ووعد أجيال. واليوم، تمضي إربد نحو 2030 بثقةٍ أكبر، وإيمانٍ أعمق، بأن الخطوات الصغيرة التي يخطوها المخلصون، قادرة على أن تصنع تحولاتٍ كبرى لا تنكسر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى