
مسعرو التطرف وصمامات الأمان
لا يخفى على باحث منصف مدى التفوق العلمي والحضاري الذي بلغه المسلمون في الأندلس، ولكن ما لا يعرفه او يتجاهله البعض أن النظام التعليمي كان قائما على شكل مؤسسات عرفت «بالمسجدرسة» هي تجمع المسجد والمدرسة بجانب بعضهما البعض في رسالة واضحة الى أهمية التكامل الروحي والفكري في التعليم، بل كانت هناك رؤية أخلاقية مجتمعية شاملة تبين أركان العلم والحضارة وتخرج من دفات الكتب وجدران الصف الى معانقة الحياة واصلاحها بالعلم تكتب على باب كل مدرسة في الاندلس وجاء فيها: «الدنيا تستند الى أربعة أركان: علم الأفاضل وعدل الأكابر ودعاء الصالحين وجلال الشجعان».
و حتى المجتمعات البدائية الأولى عرفت نوعا من الدين والشعائر والطقوس ساهمت في تهذيب النفس الانسانية ورقيها وصناعة الحضارة ولذا يقول أفلاطون: «قد نجد مدنا بلا أسوار أو بدون ملوك او حضارة او مسرح ولكن لم يُر انسان او مدنية بدون أماكن للعبادة والعباد!» ويضيف في ذات السياق المؤرخ برجسون « لقد وجدت حتى الان مجتمعات انسانية بدون علم ولا فن ولا فلسفة ولكن لم يوجد مجتمع انساني بلا دين!»
لذا فالدين والتدين أساسي في المدنية وازدهار العلوم وعدم وجوده والعناية بمؤسساته والحرص على تجديده شكل من أشكال التردي لا التحضر!
وحتى الغرب ما عرف الفرقة بين المؤسسات الدينية والتعليمية الا بعد الانفصام النكد بين الدين والدولة الذي ذهبت له اوروبا باختيارها بعد ان تصادم الاثنان وتصادم الدين مع العلم والعدالة فقد كانت اعرق المؤسسات التعليمية في أصلها دينية تبشيرية تحرص على تدريس اللاتينية، لغة الانجيل انذاك، ثم تحولت الى جامعات معروفة ما زالت تحمل أسماء ذات طابع ديني ككلية المسيح Christ College وكلية الثالوث Trinity College هذا غير الجامعات المختلفة بأسماء القديسين، غير ان الغريب هو العودة المفاجأة والجدية والمحمومة في كثير من دول العالم وعلى رأسها أمريكا، بلد الحريات كما تدعي، التي أسست في السبعينيات مجلس الجامعات والكليات المسيحية Council for Christian colleges and Universities الذي توسع ليشمل ١٢١ مؤسسة تعليمية في امريكا وستين مؤسسة في تسع عشرة دولة اخرى ورسالة هذا المجلس والمؤسسات المنضوية تحته تنص صراحة على «التقدم بالتعليم العالي على أساس ديني مسيحي وتغيير حياة الناس بالربط بين العلم والعمل والحقائق الانجيلية»!
وفي هذا دلالة انهم بعد تجربة التطرف نحو الالحاد والعلمانية بكافة أشكالها اكتشف بعض العلماء منهم فشل وعقم الحياة من غير دين وأدركوا ان الغرس يكون في سن الشباب وفي مراحل التعليم الاولى والمرحلة الجامعية الأولى فما بال بعض الأصوات الشاذة المدسوسة تشيطن الدين والممتدينين، في مجتمع متدين بالفطرة، بل تنادي بإقصائهم عن المجتمع وتدعو الى اغلاق كل مؤسسة تقدم الدين السمح وتعزز مفاهيم حب الوطن والاحسان في خدمته؟ ولقد زادت هذه الأبواق بركوب واستغلال الصور النمطية وموجة ربط الدين بالارهاب لنشر التخويف من الدين ومحاصرة المتدينين ووجدوها فرصة سانحة لبث سمومهم وترديد اسطواناتهم المشروخة، التي لم تكن تجد رواجا ولا أذنا صاغية، وضرب كل مقدس وعظيم في نفوس الناس وخلط الحابل بالنابل ويُلبسون ذلك بثوب النصح ويستغلون حرية الرأي ويطبل لهم قرناؤهم بالتشجيع والدفاع والتبني والإنعام بألقاب الثقافة والتنوير! والحقيقة أن هؤلاء هم الوجه القبيح الآخر للتطرف والدعشنة فهم يسعرون التطرف ويصبحون جزءا من أدواته بالاستفزاز المكرر وغير المبرر للناس في دينهم فيقوم جاهل أو غر يدعي هو الاخر الدفاع عن الدين بعمل متطرف بحجة الدفاع عن الدين فيقع المحظور! ولقد كان لكل دولة عربية نصيبها من هذا التطرف بالاتجاهين ومثال ذلك اغتيال الكاتب فرج فودة من قبل أحد أعضاء ما يسمى بالجماعة الاسلامية بسبب آرائه ضد الدين! طبعا يلوم الجميع من نفذ الجريمة ولكن لا يلومون من دفعه اليها مثل هؤلاء الكتاب الذي يسعرون الفتنة والتطرف ويقدمون للتنظيمات المتطرفة خدمة جليلة وذرائع لمزيد من أعمال الارهاب وتكفير المجتمع وأخذ الناس بالظن ومحاسبة النوايا! يحاسبون المجرم ولا يحاسبون من كان سببا في وصوله لارتكاب الجريمة! مثل هذه الأقلام يساهمون في تشكيل القاعدة الفكرية للمتطرفين ويزيدون في غواياتهم ولكن لا أحد يحاسبهم على تواطئهم فالكل يعالج النتائج المدمرة ولا يعمل على محاصرة الاسباب والمقدمات التي أدت اليها!
وبينما يمور المجتمع ويزيد من مشاكله الفقر والجهل والفساد يجلس مثل هؤلاء في زواياهم المعتمة ليتفتقوا بكلام من صناعة خيالهم غير مدعوم بمعرفة او تجربة شخصية في انتظار ان تصدر بحقهم فتوى «اباحة الدم» كما حصل مع سلمان رشدي فيدخلون عباءة النجومية الغربية من أوسع ابوابها، ويهطل عليهم المزيد من الدعم والاعتراف والجوائز التي لم يكونوا ليحصلوها او ليسمع بهم أحد لولا نقدهم للدين!
مثل هؤلاء يجب ان تتصدى لهم مؤسسات الدولة أولا لانهم سبب من اسباب نشر التطرف ثم المجتمع بالتقاضي والمطالبة بالحق امام المؤسسات القانونية فمن يمس المؤسسات الدينية، حكومية او اهلية، بغير وجه حق يمس أغلبية الاردنيين، ثم الدور على هذه المؤسسات بالاستمرار بعملها والارتقاء بها وتخريج نماذج متفردة واستثنائية تثبت ان من يحمل القرآن بين جنبيه هو من يحمل الوطن والشعب على رأسه وكتفيه ويخدمهم لاخر قطرة عرق ودم.
شخصيا عرفت مثل هؤلاء من خريجي المعاهد الدينية ومراكز تحفيظ القرآن التي امتدت لترسم خريطة قرآنية لبلد الحشد والرباط من الغور الى الجفور ومن العقبة الى الهضبة كما يفخر الدكتور محمد المجالي رئيس جمعية المحافظة على القرآن، وهذا الأردن القرآني له انجازات غير مسبوقة فقد خرّج من أكاديمياته القرآنية آلافا مؤلفة من الحفاظ هذا غير دورات العلوم القرآنية والشرعية والدورات الثقافية والاجتماعية التي جعلت من مراكز الجمعية شعلة إشعاع وتجميع وتوعية وعمل وخدمة وتفعيل أينما وجدت، كما قدموا تجربة رائدة في هذا المجال استفادت منها المؤسسات العربية والإسلامية، بل كانوا سباقين الى مشروع إصدار مصاحف للصم والمكفوفين.
ولقد أثمر الغرس الذي زرعته الجمعية في نفوس الأردنيين على مدى أكثر من عشرين عاما أيما إثمار وتجلى حبهم للقرآن وتعهدهم له في حملة وقف أهل القرآن (وقفي حياتي بعد مماتي) التي تهدف الى دعم مشاريع الجمعية الخيرية، ولتكون بمثابة صدقة جارية لمقدميها يتواصل أجرها وينمى لهم بعد وفاتهم.
هذا الأردن الذي نعرف ونحب وهؤلاء هم أهله وصمامات الأمان فيه بالقرآن وأهله يُحفظ البلد ويستمطر الخير وتستدفع البأساء ويستقيم المعوج وينصر المظلوم ويعاقب الظالم فالقرآن ليس كلمات تتلى للأجر أو التبرك أو في المناسبات وإنما منهاج حياة يقول فيه محمد إقبال متعجبا ممن يحصرون القرآن ككتاب متعبد بتلاوته فقط « إنه ليس بكتاب فحسب إنه أكثر من ذلك، إذا دخل في القلب تغير الإنسان، وإذا تغير الإنسان تغير العالم، فيا عجبا أن لا يصبح لك اتصال بالقرآن الا إذا حضرتك الوفاة فتُقرأ عليك سورة يس لتموت بسهولة!قد أصبح الكتاب الذي أنزل ليمنحك الحياة والقوة يُتلى عليك لتموت براحة وسهولة!!»
لقد أكرم الله أهل الأردن بأن وفروا للقرآن أماكن حفظه ودراسته وفهمه ويبقى ليتم الأمر أن يصبح الحفظة مصاحف تمشي بين الناس يعملون ليصبح القرآن سياستنا واقتصادنا وحياتنا الاجتماعية وأخلاقنا، وعندها نصبح من حفظة القرآن حقا وأهله المبرور سعيهم والمقبول عملهم والمضاعفة أجورهم.
حفظ الله الأردن قرآنيا ربانيا طاهرا.


