لا وصاية على الضمائر… الدين لله والإنسان للإنسان

لا #وصاية على #… الدين لله والإنسان للإنسان

بقلم : المهندس محمود “محمد خير” عبيد

في زمنٍ تكاثرت فيه الأصوات التي نصّبت نفسها أوصياء على ضمائر الناس، وتجرأت على محاسبتهم في معتقداتهم وأديانهم وأفكارهم، بات من الضروري أن نقف وقفة وعي وضمير، لا دفاعًا عن دينٍ بعينه، بل دفاعًا عن الإنسان الذي كرّمه الله منذ أن نفخ فيه من روحه، وجعله حرًّا في إيمانه، مسؤولًا أمام خالقه وحده، لا أمام بشرٍ مثله. إن أخطر ما أصاب مجتمعاتنا لم يكن اختلاف الأديان ولا تنوّع المعتقدات، بل ادّعاء الوصاية واحتكار الحقيقة، وتحويل الإيمان من علاقة روحية خالصة بين الإنسان وربه إلى أداة إقصاء وتكفير وتخوين ومنع، وكأن مفاتيح الجنة والنار قد وُضعت في أيدي رجال الدين دون سواهم.

الدين في جوهره علاقة بين العبد وربه، لا محكمة بشرية ولا سلطة دنيوية. فمن يملك الحق في محاسبة الناس على إيمانهم, وعلى أعمالهم و سلوكهم, من أعطى نفسه سلطة تكفير الآخرين، أو منعهم من ممارسة أبسط طقوسهم الإنسانية، كأن يهنئوا شركاءهم في هذه الأرض بأعيادهم ومناسباتهم, إن الله تعالى، وهو الأعلم بسرائر القلوب، لم يُفوّض أحدًا بالحساب عنه، بل قالها صراحة في كتابه العزيز “لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ”، وقال أيضًا “لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّين”. فإذا كان الخالق، وهو الأعلم بالخلق، قد نفى الإكراه، فبأي حق يأتي بشر ليقيموا محاكم إيمان، ويُصدروا صكوك كفر وإيمان، ويصادروا قلوب الناس باسم الله؟

مقالات ذات صلة

إن مشرقنا الممتد على أراضي بلاد الشام وسوريا الكبرى كان وما زال وسيبقى أرض التعدد قبل الصراع. لم يكن يومًا أرض دينٍ واحد ولا لونٍ واحد. سكنه المسيحيون قبل مجيء الإسلام بقرون، وجاء المسلمون إليه فاتحين، لا ليُلغوا أهله، بل ليعيشوا معهم، والتاريخ مهما حاول البعض تزويره يشهد أن هذه الأرض قامت على التعايش لا الإقصاء، وعلى الشراكة لا الإلغاء. فلا يملك أحد الحق في تهميش دور المسيحيين، ولا في إنكار وجود اليهود، ولا في احتقار أي عقيدة أو مذهب أو فكر، فهذه الأرض لم تُخلق لطائفة، بل خُلقت للإنسان.

لقد أرسل الله الرسل والأنبياء من أجل المحبة والسلام، لا من أجل أن يتحوّل أتباعهم إلى فرق متناحرة. أُنزِلت الكتب وبُعثت الرسالات لتصحيح مسار البشر، لا لتعميق الكراهية بينهم. فمن أرسل إبراهيم وموسى وعيسى ومحمدًا، ومن أنزل الزبور وصحف إبراهيم والتوراة والإنجيل والقرآن، هو إله واحد، فكيف لنا أن نكفّر من آمن برسولٍ أرسله الله، أو كتابٍ أنزله الله؟ إن تكفير دينٍ أو ملةٍ أو مذهبٍ هو في جوهره تشكيك بحكمة الله وقدرته على الاصطفاء والهداية، ومعاذ الله أن يكون هناك رسول أفضل من رسول، أو دين أصدق من دين، فالمصدر واحد، والحكمة واحدة، والغاية واحد, عبادة الله، وبناء إنسانٍ عادل، رحيم، محب.

ومن هنا لا بد من استنكار ما يفعله التكفيريين والمتعصبون الذين يتاجرون بالدين لبث روح الفرقة بين الناس، ويصنعون لأنفسهم سلطانًا زائفًا على عقول الجهلة وضعاف الوعي، لينقضّوا على كل فكر تنويري وكل دعوة عقلانية إنسانية. هؤلاء لم يكونوا يومًا دعاة هداية، بل أدوات هدم، يخافون النور ويحاربون العقل، لأن وجودهم لا يستمر إلا في الظلام. يحرّفون النصوص عن مقاصدها، ويختزلون الدين في فتاوى قاسية تخدم مصالحهم أو نزعاتهم السلطوية، فيفسدون في الأرض باسم الله، والله بريء من أفعالهم، ورسالاته أسمى من أن تُختزل في خطاب كراهية أو إقصاء.

ولو تأملنا التاريخ بصدق لوجدنا أن أغلب ما سُمّي صراعات دينية لم يكن دينيًا في جوهره، بل صراعات سلطة وتوسّع سياسي باسم الدين. قُتل الأنبياء وحورب الرسل لا لأن رسالاتهم باطلة، بل لأنهم هددوا عروش الطغاة. لم يُحارب محمد ﷺ من قريش إلا خوفًا على السلطة، ولم يُصلب عيسى عليه السلام إلا خوفًا على النفوذ، ولم يُضطهد موسى عليه السلام إلا لأنه واجه فرعون. فالسلطة، لا الدين، كانت وما زالت سبب الدمار الأكبر على هذه الأرض.

إن بيوت الله لا تتناحر؛ فالكنيس بيت الله، والكنيسة بيت الله، والمسجد بيت الله. تختلف الأسماء، لكن القداسة واحدة، والغاية واحدة، والرب واحد. وكل إنسان يعبد الله بالطريقة التي وصلته عبر فطرته وتاريخه ومجتمعه، والله وحده أعلم بمن اهتدى ومن ضل. قال الله تعالى “إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ”، ولم يقل أتباع هذا الدين أو ذاك.

لقد كان العدل وما زال وسيبقى جوهر الإيمان وغاية الرسالات كلها، فالهدف الأسمى من بعثة الرسل لم يكن كثرة الشعائر، بل إقامة العدل. قال تعالى “لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ”. فالعدل هو القاسم المشترك بين جميع الرسالات، ولا يمكن لعدلٍ أن يقوم في ظل تكفير أو إقصاء أو احتقار للآخر.

لسنا أصحاب ولاية، ولم يُعطَ لنا حق الحساب. فمن لم يُعطِ الله هذا الحق لأنبيائه، لن يعطيه لبشرٍ يخطئ ويصيب. نحن نحاسب الناس فقط على إنسانيتهم معنا، على العدل والاحترام والصدق والرحمة، أما ما في القلوب فذلك شأن الله وحده. فلنترك الخلق للخالق، ولنُصلح أنفسنا قبل أن ندّعي إصلاح الكون، ولنعد إلى فطرتنا الأولى التي خُلقنا عليها، فطرة المحبة والسلام وقبول الآخر.

لسنا بحاجة إلى مزيد من التكفيريين والمتعصبين والمتاجرين بالدين، بل إلى مزيد من الوعي. لسنا بحاجة إلى فتاوى تُفرّق، بل إلى قلوب تجمع. فالحياة قصيرة، والرحلة إلى الله واحدة، وتحت عرش الرحمن سنقف جميعًا بلا ألقاب ولا مذاهب ولا شعارات، ويبقى وحده العدل، والإنسان، والقلب النقي.

فلننتصر للإنسان، كي نكون أقرب إلى الله.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى