ماذا بقي من “الأمن والأمان”؟

ماذا بقي من ” #الأمن_والأمان “؟

بقلم: #محمد_يوسف_الشديفات


لم يعد “الأمن والأمان” توصيفًا لحالة يعيشها الناس، بل صيغة تُستدعى لإغلاق النقاش. خلال العقد الأخير، جرى استخدام المفهوم لا كغاية تُقاس بطمأنينة المجتمع، بل كأداة لإدارة الشأن العام تُمرَّر باسمها كلفة متزايدة على الناس. السؤال لم يعد إن كان الأمن والأمان قائمين، بل ما الذي بقي منهما حين تحوّلا إلى آلية إدارة لا إلى وعد حياة؟

منذ نحو عام 2014، تغيّر منطق إدارة الشأن العام بوضوح. لم يعد الهدف معالجة جذور الأزمات، أو بناء الثقة، أو توسيع المشاركة، بل ضمان الهدوء ومنع المفاجآت. الأمن والأمان لم يعودا نتيجة سياسة ناجحة، بل بديلًا دائمًا عن السياسة نفسها. كل ملف صعب أُجّل باسم الاستقرار، وكل عبء نُقل إلى الناس باسم الأولوية، وكل سؤال أُطفئ باسم الخطر المحتمل.

هذا الخيار نزل مباشرة إلى تفاصيل الحياة اليومية. نمو اقتصادي محدود لا يخلق فرصًا حقيقية، بطالة مرتفعة خصوصًا بين الشباب، وتآكل مستمر في الدخل الحقيقي. سنوات “الاستقرار” لم تُترجم إلى تحسين ملموس في المعيشة، بل إلى إدارة أزمة بلا نهاية. الهدوء في الشارع لا يعكس عافية، بل إنهاكًا مُدارًا. وفي موازاة ذلك، تغيّر موقع القانون في وعي الناس؛ لم يعد مرجعية حماية واضحة، بل مساحة رمادية تُدار فيها المخاطر لا الحقوق. هكذا انتقلت الرقابة من النصوص إلى النفوس، وصار الصمت سلوكًا عقلانيًا.

في هذا المناخ، أُعيد تشكيل المجال العام نفسه. مع انحسار السياسة بوصفها تنافسًا على البرامج، توسّع نمط أكثر نفعية: توسيع دائرة الولاءات بدل توسيع دائرة المشاركة. لم يُواجَه النقد بالحجّة، بل جرى تحييده بالإدماج الانتقائي؛ منصب هنا، ووعد هناك، حيث صار الامتياز الفردي بديلاً عن المصلحة العامة، وتضخّمت طبقة من المصفّقين لا لأنها مقتنعة، بل لأنها مستثمرة في القرب من القرار.

ومع هذا التحوّل، تغيّر معيار الاختيار داخل المؤسسات بصمت. لم يعد السؤال: من الأقدر؟ بل من الأضمن ولاءً وأقل كلفة. تحوّلت التعيينات من أدوات تنظيم إلى وسائل ضبط ناعمة تُعيد تدوير النفوذ داخل دوائر ضيقة، وتكافئ القرب قبل الجدارة. خارجيًا، جرى تسويق المشهد بوصفه استقرارًا قابلًا للتنبؤ. داخليًا، كانت الفاتورة تتراكم: دين عام يقترب من حدود الأمان، توسّع في الاقتراض لتغطية أساسيات العيش، ومؤسسات تُفرَّغ من معناها التنافسي. هذا ليس خطأً تقنيًا ولا نتيجة سوء تقدير، بل نهجٌ أُدير مع معرفة كاملة بتكلفته، واستمرّ لأنه أنتج هدوءًا تشغيليًا قصير الأمد، ولو على حساب تآكل الثقة ومعايير الجدارة في الداخل.

المشكلة لم تعد في الغضب، بل فيما بعده. الغضب يعني أملًا في التغيير؛ أما الاعتياد فيعني انسحابًا صامتًا من المجال العام. وعندما يصبح الهدوء حالة طبيعية رغم تدهور المعيشة، لا نكون أمام استقرار، بل أمام تفكك بطيء للثقة. إذا كان الأمن والأمان يعنيان اليوم هدوءًا بلا حياة، وصمتًا بلا ثقة، واستقرارًا بلا أفق، فالسؤال يبقى مفتوحًا: ماذا بقي منهما فعلًا؟ وعندما يُستنزف المعنى باسم الأمن والأمان، لا يكون الخطر في الضجيج، بل في صمتٍ يجعل إدارة الشأن العام ممكنة اليوم… ومكلفة غدًا

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى