
شاهد ما شَفش حاجة
ما زالت عشرات ولربّما مئات الملايين مِنّا تتذكّر عنوان مسرحية الفنّان المصري عادل إمام الكوميدية “شاهد ما شَفشِ حاجة” 🙂 تلك كانت كوميديا وملهاة أضحكتنا وأدمعتنا كثيراً وما زالت تضحكنا حتّى بعد عقودٍ على أدائها وانتشارها… ولكن يبدو أنَّ “شاهد ما شفش حاجة” قد تحوّلت إلى تراجيديا مُبكية هذه الأيّام 🙁
للتوطئة نقول أنّ فكرة توليد الضحك أو الإضحاك في عنوان المسرحية بشكلٍ خاص وفي الكوميديا بشكلٍ عام تقوم عِلمياً على بعض اساسيات نظرية ما يُسمّى ب “Script Theory “؛ وهي نظرية مستمدّة من علوم الكمبيوتر واللغويات معاً وتحاول تفسير عَمل العقل اثناء برمجة النصوص التي تحتوي على أفكار كمجموعة صور متكاملة او متضادة أو متناقضة… فصورة الشاهد الذهنية التي تجعل منه “شاهداً” يجب أن تكون مبنيةً على معرفة الشاهد بشكلٍ تام بصرياً وسمعياً وعقلياً بما يشهد به؛ وهذا يتناقض جملة وتفصيلاً مع الجزء الثاني من العبارة والعنوان “ما شفش حاجة” 🙂 فأن كان “ما شفش حاجة” فهو غائبٌ وليس شاهداً… 🙁
مِن هُنا وصفَ الله نفسه بأنّه “عالم الغيب والشهادة” وطالبنا لِعظَمِ ذلك الأمر بإقامة الشهادة فقال: “وأقيموا الشهادة لله” بنفس الطريقة التي أمرنا بها بعمود الدين الصلاة حيث قال:”وأقيموا الصلاة”… 🙁 للأسف فقد ضيّع الكثير منّا هذه “الشهادة” قولاً وفِعلاً ومنهجاً؛ وهذا هو الجانب الأخطر في المسالة حتّى أصبحت “شاهد ما شَفش حاجة” ظاهرةً أو شبه ظاهرة فكرية في بلاد العُرب أوطاني… 🙁
فهذا وزيرٌ أردنيٌ “ما شفش حاجة” يحضر حفل افتتاح ندوة متخصّصة بموضوعٍ ما تقام تحت رعايته فيلقي كلمةً مُتلفزة عن موضوع آخر…وعندما ينفضح أمره يضحك ويضحك معه الجميع… 🙂
وهذا مُعلّق ومحلّل رياضي سعودي كبير “ما شَفش حاجة” على محطّة فضائية شهيرة يقوم بتحليل أداء أحد المنتخبات ويبدي توقّعاته حول أداء الفريق؛ ثمّ يكتشف عن طريق مقدّم البرنامج مصطفى الآغا أنّ المنتخب ذلك المنتخب وهو المنتخب الكويتي غير مشارك أصلاً في البطولة… 🙂 فيبتسم ويبتسم الجميع… 🙂
وهذا أستاذ دكتور في إحدى الجامعات الأردنية أيضاً “ما شَفش حاجة” يقوم بتدريس مادة لا يعرف عنها شيئاً ولم يسمع بها في حياته كما قال لزملائه؛ ويقول لمن حوله ولطلبته: هاي نظرية داخلة على الساحة جديد هاي الايّام… 🙁 عِلماً بأنّ النظرية دخلت عنصر التطبيق منذ ثلاثين عاماً وقد نُشِرت ملايين الأبحاث فيها وحولها… 🙂
وهذا دكتور أردني آخر “ما شفشِ حاجة” يؤلّفُ كتاباً، ويقوم بتدريسه دكاترة أخرون، ويتحدّث فيه عن “اعتكاف اللغوي نعوم تشومسكي على تطوير نظريته التحويلية هذه الأيّام” بالرغم مِن أنّها قد مضى عليها سبعة عقود وبالرغم من أنّ تشومسكي قام بتطويرها وتعديلها مئة مرّة وبالرغم مِن أنّ تشومسكي قد تقاعد قبل ربع قرن وهو الآن على حافة قبره… 🙁
وهذا طالبٌ جامعيٌ “ما شَفش حاجة” يدخل قاعة الدراسة في منتصف الفصل ويبقى جالساً والدكتور يتحدّث؛ ثمّ يكتشف بعد ربع ساعة أنّ المحاضرة ليس لها علاقة بتخصّصه وأنّ الدكتور ليس دكتوره؛ بل هو لا يعرف شكل دكتوره أصلاً… 🙂
وتستمرُّ القصص اليومية ل(“شاهد ما شفش حاجة” بطبيب ما شفش حاجة… ومذيع ما شفش حاجة…وتربوي ما شفش حاجة…وشيخ ما شفش حاجة… ) في حياتنا لنبقى أضحوكةً و”فرجة” بين الأمم… 🙂
فإلى متى ستبقى هذه الحالة من الاستهتار، والضياع، و”التخويث”، و”الهيلمة”، وظاهرة “الشاهد اللي ما شَفش حاجة” أو “غايب الفيلة” الذي يدعّي أنّه “أبو العُرّيف” تُسيطر على مجتمعاتنا بل وعلى مثقّفينا ومؤسساتنا وصروحنا المعرفية والعلمية… 🙁 والله أعلمُ وأحكم

