قراءة في اعمال الفنان احمد الحشوش

سواليف – الفنانة التشكيلية ميادة المصري

شغف طفولي
ونزعة صوفية شديدة الجلاء
لوحات تحكي عن الذات وتشخص المعنى

يبدأ الفن بالحافز الجمالي , وتكون ثمرة هذا الحافز ” تعبير فني ” , فكيف اذا اجتمعت له من العناصر مالم تجتمع لغيره . فالفنان احمد الحشوش فنان تشكيلي رسام ونحات وشاعر , يزاوج بين الشعر والرسم والنحت عبر مسيرته الفنية بعين ثاقبة , نافذة الى عمق الاشياء , تعيد تركيب الاشياء والتفاصيل اليومية ” واللا يومية ” ” برؤية ” عميقة تحاور برودة المقطع المشاهد وسرعة اللحظة العابرة (1) بعد ان اعاد الفنان تشكيلها من جديد .
ونجد ان الفنان احمد يستخدم في بعض اعماله ملابسه الشخصية القديمة , فهو لا يستطيع التخلي عنها لأنها من الماضي الذي يحن اليه , فلقد هاجر في صباه من سوريا ليستقر مع عائلته في الاردن , وبذلك فان ذكريات الطفولة تسكنه ويسكنها بكل جوارحه .
فيكتب
“انا انت خذني الى فرح واحد كي تعيد الطفولة ترتيب
احلامها في حضور الغياب
وخذني الى حلم واحد كي ارى
ما وراء شرود المسافة في فرصة للإياب ”
ذ لك الحنين الذي يحمله الفنان احمد بكل شغف وحزن مما يجعله يتمسك بكل ما هو قديم , يحركه دافع البقاء في دائرة الامل وربما الحلم في العودة الى مرابع الطفولة ومساقط الحنين .

وفي هذا العمل الذي يحمل قميصه المتأكل , كتأكل العمر الذي يهترئ بمرور الزمن , نرى ملابسه بلا ارجل , كانه لا يريد الانتقال وترك الوطن كانه لا يريد المشي او مغادرة مكانه , ويبقى الحنين يلفحه بلهيب ناره . فيقول
” قميصي الذي قد من كل جهات الحنين
مواسم الحزن تعتصر القلب اكثر
مواسم الحنين تلفحني بلهيبها
مواسم الانتظار المسكونة بجفاف اللحظة وجفاف القلب
ام مواسم الحب التي لم يكتب لها ان تزهر ”
وتبقى عواصف الحنين هي الطاغية في سلسلة الاعمال لملابسه وحتى ان كان يحاول ان يخفي ذلك محاولا اعطاء تفسيرات اخرى لاستخدامه للملابس فيقول
” هكذا تتقاعد ملابسي وهذا بعض الوفاء لخدمتها الطويلة معي !!
ولكنه الوفاء للوطن عينه , وعلى امتداد الاساليب الفنية التي يستخدمها الفنان احمد تسافر العين المفكرة وهي تطوي المسافات الفاصلة بين الناظم والمتلقي وبين واقعية سهلة الادراك واخرى تعيد النبش في الجذور والتنقيب عن الاحلام الغائرة والمؤرقة .

وفي مجموعة اعمال اخرى شكل الفنان احمد عدة اعمال على شكل جناح طائر كما نرى في العمل ( اجنحة من ضوء ) او على شكل جناحين (انظر لوحة ” اجنحة الحلم ” المشكلة بالحفر على الخشب ) .
هذه الاعمال تعكس رغبة الفنان احمد بالتخلص من كل ما هو ارضي متعب ومؤرق
تخلص الروح من عبودية الجسد عن طريق التحليق الرمزي والارتفاع عن كل ما يعكر صفو المزاج ويتسامى بشكل روحاني .
يقول جيرسيا الياد :
” رمزية الطيران في جميع مستويات الثقافة وعلى الرغم من الفروق الكبيرة في السياقات الثقافية والدينية ,انما تعبر بصورة دائمة عن تجاوز البشر وعن التعالي والحرية ” .
فضغوط وظروف العيش على الارض وكثرة الهموم والقيود تدفع بالإنسان لان يرغب في الانعتاق وانقاذ ذاته بالتعالي واستعادة الحرية عبر التشبث بالأحلام والآمال .

اجنحة الحلم

وفي العمل النحتي المشكل من الحجر ينتج الفنان احمد طائرا يطلق عليه اسم ” الفنيق ” والفنيق هو الامتداد اللانهائي في الاساطير الكنعانية ( العنقاء ) , بحيث ينبعث من واقع الاستمرار في بناء واعادة الحياة بعد كل انهيار , فهو يخرج ويتجدد من جذوة الرماد .
وينحت الفنان احمد العينين على شكل حرف الهمزة في اللغة العربية , والهمزة اول الحروف في الكلمة والكلمة اول الخلق, والهمزة لها خصوصيتها فهي نادرا ما تنفرد بنفسها ومحتاجة غالبا للاتكاء على أحد . وللهمزة الكثير من الدلالات اضافة لشكلها الجمالي . وهي ما تسمى باللغة الانجليزية ب glottal stop فهي وقفة حنجريه ضرورية بين المقاطع لتنفس الصعداء , كفترة استراحة بعد سفرة طويلة لنبدأ بعدها مسيرتنا من جديد .
وبذلك يتطابق المعنى من وراء استخدام حرف الهمزة مع رمزية الطائر في العمل المشكل . وبهذا دلالة على ان الفنان يستخدم الحروف العربية برؤية بصرية وتقنية عالية في المعالجة الفنية من خلال الحرف واللون والشكل , بأسلوبه الشخصي الذي يحمل فكرا ثقافيا فنيا عميقا.

الفنيق

والهمزة في الاصطلاح الصوفي عند الشيخ صدر الدين القونوي هي عالم الحروف في النفس الانساني , نظير التعيين الاول الاسمى الأحدي , وهو اول ممتاز من الغيب الالهي المطلق الذي هو مفتاح حضرة الاسماء . (3)
وبهذا العمق الروحاني تتشكل اعمال الفنان احمد وتحمل المشاهد لأعماله على القيام برحلة صوفية داخل اللوحة , من خلال عبور المسافات الرمزية المتسعة للأشكال والألوان , مظهرة لنا صراعه المرير بين واقع قاس يعيشه وبين حلم عصي المنال , وتثار اسئلة عديدة فكيف نسافر الى الداخل نحو ارواحنا العميقة دون ان نسقط في هاوية التعصب والتطرف والانغلاق على اوهامنا ؟ وكيف لنا ان نحلق في سماء الروح نحن الذين لم نعرف كيف نبسط اجنحتنا ؟ وكيف نبتعد عما نحن بصدد التحديق فيه ؟
وبشكل واعي واحيانا باللاوعي يطفو على السطح مجددا الوطن ورموزه فلا غرابة ان نجد بين اعمال الفنان الطائر او الاجنحة بشكل منفرد , فالطائر هو الذي يضع للفكر الانساني اجنحة ويجعله يحلق في السماء ويعبر على جناحيه المحلقين الحدود العليا الزرقاء التي تفصل عالم البشر عن السماوي .
وفي العمل ” اجنحة من ضوء ” , فان هذا العمل على حد قول الفنان احمد يمثل روحانية الحضارة العربية عبر تاريخها فارتفاع العمل يوحي بالتسامي وميل حدقة العين للأعلى يدعمه وتظهر التفاصيل بالعمل سماوية اما ارتباطه بالأرض فبسيط جدا ورمزي , حيث ترك الشكل من الاسفل بلا تفاصيل تقريبا , في اعلى الشكل تمثل جناح الطائر المتأهب للتحليق والرحيل نحو الاعلى .
ومن الجدير بالملاحظة قدرة الفنان الحشوش الفائقة على الاختزال والتبسيط وميله البالغ إلى الاقتصاد في رسم التفاصيل خصوصا الأرضية منها ليبقي العين مفتوحة على المعنى المدهش والعميق .

اجنحة الضوء

اما ” شرفة الروح ” فهي حنين الى المعنى وقد تأطر باطار من العقل والحكمة وربما هي نافذة مشرعة على الروح والمعنى الذي يتفاعل في العمق , هذا العمل الذي تتداخل فيه الاشكال الهندسية من مثلثات التي تلتقي ( وتشكل المربعات ) , والتقاء المثلثات في مركز واحد هو مفهوم التوحد الكوني , الذي يمنح كل جزء فيه قيمة الثبات والقوة , فكل مثلث يشكل ربع الوجود , ويلتقي بكل واحد من الثلاثة الباقية في ضلع من اضلاعه او في قمته التي تلتقي فيها المثلثات الاربعة . ]5[

كما استخدم الفنان احمد الحشوش في عديد من اعماله الشكل الدائري , كشكل خارجي للعمل وايضا من الداخل , ومعروف ان محيط الدائرة لا بداية ولا نهاية له , وبالتالي فهو رمز اللانهائي , وهي تشير الى الابدية الى الشمس والارض والقمر والاجرام السماوية , والدوائر من الاشكال المألوفة فهي تشير الى الكمال وتتسم بالحركة الحرة(4), توحي بالطاقة والقوة والوحدة والانسجام . وهي بمثابة حد او اطار تحيط ما بداخلها وتبقي الاشياء الاخرى خارجها وتوفر الامان والتواصل وترمز الى المجتمع واستدارتها تمنح الاحساس بالعاطفة والحب , ومن جهة اخرى كان مفهوم الدائرة الى فترات سحيقة في الوجود الانساني يربطه بالبطن الأمومي , وكذلك في عصور لاحقه كانت هناك الاجتماعات العائلية حول مائدة الطعام الدائرية .

جذور

وفي العمل النحتي الخشبي ” جذور ” يخنزل الفنان احمد المعاني المذكورة اعلاه في حب الوطن الكبير (الشكل الخارجي للدائرة ) وحب الام بكل محمولاتها من الرموز والدلالات النبيلة (الشكل الداخلي للدائرة , حضن الام ) , بشكل غير مباشر , مسقطا عليها معان بالربط بينها وبين الارض على اعتبارها صنوا لها , فالأرض وعاء حاضن لمسببات استمرار الحياة وديمومتها , تماما كما هي الام صانعتها ومركز تناسخها وتجددها واستمرارها , على هذا الاساس يعتبر الفنان احمد ان امه ندا للأرض وشبيها لها , وفقدان الفنان لأرض الوطن وكذلك فقدانه لوالدته , الرمزين الازليين لتناسخ الحياة جعله ينتج العديد من الاعمال على هذا الشكل لأنه يعيشه بكل جوارحه وليبقى متوقدا ولصيقا في حياته وحاضرا في كل ركن وانعطافة من محطات حياته . فهو يقسم الدائرة الى قسمين متطابقين من حيث الحجم والشكل ويجمع بينهما في وسط الدائرة من الاعلى بقبة , التي تمثل لدى الصوفية دعوة لارتقاء الانسان نحو الصفاء الداخلي ولم يقم الفنان باي اضافة للقبة فهي خالية من التزيين صافية ونقية ومتسامية يوحي شكلها الخشبي بالثبات والتسامي .

طاقة نورانية

بؤرة القلب

وفي هذا العمل المشكل من خامات مختلفة ، قماش , خشب , الوان , نرى الوانه النورانية المشعة في هذا العمل اللون البرتقالي واللون الازرق السماوي الذي يجسد الروح لم تأت من فراغ وليست مجرد شطحات شكلية , بل هي ترجمة صورية عميقة لما راته بصيرته من قيم روحية , وبالتالي هي انعكاس صادق لما جادت به مخيلته وفاض به وجدانه .

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى