
تحريف الدين
بقلم: د. هاشم غرايبه
مقال الاثنين: 30 / 3 / 2026
منذ القدم، وجد الانسان نفسه مدفوعا بفطرته للبحث عن الإله، ولما كان الإله الحقيقي يفترض أن يكون واحدا، لأن كل ماهو في الطبيعة منظم بشكل دقيق ومتناسق وأنظمتها متكاملة لا تعارض بينها، ولكن لأن الخالق المدبر شاء أن يكون خفيا على ادراك البشر، فقد تخبطوا في محاولتهم التعرف عليه، فربطوا بينه وبين الظواهر الطبيعية الجبارة التي لا قبل لهم بالتحكم بها، واعتقدوا أن لكل منها اله يجريها.
بعد أن أنزل الله رسالاته الهادية اليه، لم يتقبل أغلبهم فكرة الإله الواحد، لذلك وجدنا أغلب الناس مشركين، ويلجأون الى تجسيد الله وفق ما تخيلوه بشكل أوثان منحوتة، وصار لكل قوم صنم يقدسونه، مع علمهم أنه حجر لا يضر و لا ينفع وليس الاله، الا أنهم كانوا يعتقدون أنهم بعبادته يتقربون الى الله.
كانت دعوة نوح عليه السلام مرحلة فارقة في تاريخ البشرية، فهو أول من دعا الى الدين، والذي هو عقيدة وتشريعات ناظمة لحياة البشر، وهنا وجه الاختلاف الجوهري مع المعتقدات البشرية البدائية.
من المنطقي أن الله الواحد ينزل للبشر دينا واحدا، لذلك فمقولة الأديان سواء السماوية او البشرية خاطئة، فالدين هو ذاته ما دعا كل الرسل لاتباعه منذ نوح وحتى آخرهم محمد عليهم جميعا الصلاة والسلام، وقد أسماه الله تعالى الاسلام، وكل ما عداه مما يطلق عليه مسمى دين فهو ليس كذلك، بل هو معتقد.
لماذا إذا يقال فلان دينه اليهودية أو المسيحية أو البوذية ..الخ؟.
رسالة موسى عليه السلام لم تدعُ الى اليهودية، فهي تسمية للقوم من بني اسرائيل الذين هادوا أي تابوا وعادوا الى الدين بعد أن عبدوا العجل، والتسمية القرآنية تسمي الذرية الصالحة من بني يعقوب بني اسرائيل، وتطلق على الذين عصوا موسى اليهود، ولم يذكر الدين الذي دعا اليه بمسمى اليهودية الا فيما بعد.
أما المسيحية فيذكر سفر اللاويين أن هذا المسمى أطلقه أهل أنطاكيه الكافرون على أتباع المسيح الذين كان مسماهم النصارى، وذلك على سبيل التهكم والسخرية وليس المديح، وذلك في منتصف القرن الأول، واستخدمه “شاؤول” اليهودي وادعى أنه تنصر وسمى نفسه بولس، ولما أدخل الامبراطور قسطنطين الذي كان يعبد اله الشمس النصرانية الى اوروبا في القرن الرابع، قام بتعديلات عليها مرتكزة على مقولات بولس لتتوائم مع عقيدته الوثنية في تعدد الآلهة كتثبيت عقيدة التثليث، والطقوسية مثل الاعياد والايقونات واساطير القديسين، ومؤسسة الكنيسة بمراتبها لتقوية سلطته السياسية، بالمقابل أفرغ العقيدة النصرانية من مضمونها التشريعي، فأعلنت الكنيسة أن دخول الجنة مضمون لمن يتعمد باسم المسيح لأنه مخلص لهم، من غير حاجة لأية التزامات سلوكية الا الى الإيمان به.
هكذا يمكننا القول أن كل المعتقدات التي تعتبر متبعيها معفون من الالتزامات التعاملية والسلوكية وفق تشريعات صارمة، وملزمة للجميع سواء كان أميرا أو فقيرا، لا يمكن اعتبارها دينا، بل هي تسمى معتقدات، ومن ضمنها البوذية أو الشنتوية أو السيخية ..الخ، فهذه كلها فلسفات جمالية قد يكون أساسها الدين الالهي لكن جرى تحريفه وطمس مبادئه وتشريعاته حتى زالت كل معالمه وبقي تصورات تهويمية تائهة، ولو أطلق عليها دينا على سبيل المجاز، ولا علاقة لها بالدين الذي هو فقط ما أنزله الله.
