حكايات حول المدفأة / يوسف غيشان

حكايات حول المدفأة
(1)
تعارفنا – جهاز التلفزيون وأنا- على بعضنا من خلال الشابيك، ومارسنا البصبصة على بعض من خلال الشابيك الخشبية المهترئة ،المحمية بشباك حديدية صدئة.
فقراء كنا، لذلك كنا نشاهد التلفزيون من خلال شباك احدى العائلات الأوفر حظا وتمتلك جهازا.
التلفزيون كان في اذهاننا كائن عجيب ،يغني ويطلق النار ويلقى اخبار العالم من كل حدب وصوب على مسامعنا .
كبرنا ، وأتاحت لنا الظروف ان نقتني اجهزة تلفزيون، ثم دخلنا مرحلة الساتلايت والقنوات المشفرة والفيديو والإنترنت ….وخلافه!
كل شي تغير وتبدل وتطور …الا نحن ….فما زلنا حتى الأن نشاهد ونبحلق في جميع احداث العالم، لكأننا نشاهد هذا العالم من خلال شباك الجيران الخشبي صاحب الإطار المعدني الصدئ.
(2)
كنا ذات قرن أطفالا، كان للعالم طعم الشقاوة، ولم تكن الأرض قد أكملت تكورها في أذهاننا، ولا السماء قد ارست دعائمها في قلوبنا بعد.
كنا لقراء طبعا . كانت بقول الأرض وحبوبها هي طعامنا الدائم : عدس..عدس حب..عدس مجروش …عدس منفوش .. شوربة عدس …مجدرة عدس مع برغل..مجدرة عدس مع رز.
سئمنا العدس ومشتقاته ، وكنا من وقت لآخر نعلن العصيان المدني ،ونحاول ان نرفض تعاطي العدس. كانت امي هنا تبوح بعبارتها السرية.
– هل تعرفون ان المسيح كان يفطر عدسا كل يوم؟؟
بالطبع لم نكن نقتنع بكلام الماما الرؤوم، لكننا نعرف أن لا شيء سوا العدس لدينا، فنقتنع بالإنسحاب المشرف من العصيان.
بعد عودة الأمور لطناجرها، كانت الوالدة تتسم بخبث ، لكني كنت الحظ شبح دمعة ترفض الإستسلام للأمر الواقع.
(3)
كان أبونا جورج يؤكد في كل حصة دين ، بِأن لكل واحد منا ملاكا حارسا ،يصحو وينام معه ويحرسه من الشيطان ، ومن الوقوع في التجارب ،ويحافظ عليه ويراقبه ويحمية من كل الأخطار.
في البداية ، كنا نخاف من هذا الملاك، فهو يراقب شيطناتنا الصغيرة وخطايانا البائسة و التي كنا نعتقدها انذاك من الفواحش، كأن نسرق الخوخ غير الناضج من بستان الجيران، او نتلفظ بعبارات نابية تعلمناها للتو من زملاء الدراسة الأكبر عمرا.
شخصيا لم اكن اتذمر كثيرا من الملاك الحارس، وكان يتملكني احساس بالرضى والزهو لأنني انا الطفل الفقير الجائع المهمل الوسخ كالن يمتلك ملاكا حارسا خاصا به، ويعمل (بدي قارد) لجنابه (جنابي).
كبرنا ونسينا قصة الملاك الحارس ، كبرت همومنا وخطايانا ، وكبرت الأخطار التي تواجهنا..كبر كل شر فينا، حتى صرنا نحتاج الى كتيبة كاملة من الحرس الملائكي لتحمينا من بعض شرور انفسنا، ومن شرور وأخطار العالم المحيط.
ghishan@gmail.com

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى