
د. #هاشم_غرايبه
صدم العالم بآخر أعمال البلطجة الأمريكية، بالهجوم عل فنزويلا واختطاف رئيسها وزوجته، والطريقة كانت مسرحية صادمة لكل المفاهيم الانسانية بهدف ارسال رسالة ارهابية مزدوجة الى شعوب العالم وحكامهم على السواء، بألا يجازف أحد بالخروج على الطاعة لأعتى قوة احتكارية في التاريخ.
بداية لا بد من التذكير بأن هذه العملية ليست قرارا من الرئيس الأمريكي الحالي “ترامب”، فليس هنالك صقور وحمائم بين الرؤساء الذين يصلون للبيت الأبيض، جميعهم تنفيذيون لسياسات الحكومة العميقة، بدليل أن الاعداد لهذه العملية بدأ منذ أيام الرئيس الفنزويلي السابق “شافيز”.
هنالك أوجه تشابه كثيرة بين العملية التي سميت “عاصفة الصحراء” وتمت على مرحلتين بهدف اسقاط “صدام حسين”، والهيمنة على النفط العراقي، وبين عملية “الرمح الجنوبي” التي شنت على فنزويلا للهدف ذاته، وسبقت العمليتين حملتان دعائيتان بادعاء كاذب للتمويه على الهدف الحقيقي، بوجود اسلحة دمار شامل في حالة “صدام”، وبالاتجار بالمخدرات في حالة “مادورو”.
الجرم الذي لم تغتفره القوة الاحتكارية العظمى لهذين الزعيمي كان محاولة التمرد على نظام البترودولار الذي يلزم منتجي النفط بقصر التعاملات على الدولار الأمريكي، والذي معروف أنه لا غطاء ذهبي له بل البترول، ومن لا يلتزم بذلك يحارب في تصدير النفط وبحرمانه من صيانة معدات الاستخراج، وامتناع الشركات الاستخراجية الكبرى (المملوكة في معظمها من الشركات الاحتكارية ذاتها) عن تطوير الانتاج، لذلك كانت فنزويلا التي تمتلك أكبر مخزون نفطي في العالم محرومة من الاستفادة من ريعه، وتعيش حالة افقار شديدة منذ أيام “شافيز” بهدف خلق نقمة شعبية على النظام الرافض للهيمنة الأمريكية، واسقاطه.
لما لم ينجح ذلك الافقار والمحاصرة في حالة العراق في اسقاط نظام الحكم الذي ثبت أنه يسعى حثيثا لتحقيق الاستقلال وبناء القوة الذاتية، والتي تهدد حتما ما حققته أمريكا من تبعية الأنظمة العربية المرعوبة، والتي تقبلت الرضوخ لمخلبه القذر في المنطقة “الكيان اللقيط” تحت مسمى التطبيع، كان خيار استعمال القوة في اسقاطه واستبداله بنظام فاسد عميل.
الحالة ذاتها تكررت في فنزويلا، لذلك وجد الاحتكاريون ذاتهم أنه لا مناص من اللجوء الى البلطجة لتنفيذ مأربهم بالسيطرة على النفط الفنزويلي كهدف أول، ولتحقيق أهداف فرعية أخرى منها:
1 – تخويف أي بلد آخر، سواء في أمريكا الجنوبية او في أي مكان أخر (بما فيها الدول الأوروبية) من محاولة التحرر من هيمنة القوة الاحتكارية المسيطرة على الدولة الأمريكية.
2 – ضرب محاولات التحالف التي بدأت بالتشكل خارج الهيمنة الأمريكية، ومنها ما نشأ مؤخرا بين فنزويلا والصين من جهة وإيران من جهة أخرى.
3 – كانت فرصة لتجريب الآسلحة الأمريكية والقدرات التقنية التي تطورت كثيرا بعد الحرب على العراق، وبالذخيرة الحية، خاصة بعد حصول فنزويلا على معدات دفاع جوي روسية وايرانية متطورة.
4 – أما الهدف الأهم الذي لا يريدون الاعتراف به، فهو اعادة الاعتبار للقوة الأمريكية الخاصة “دلتا”، التي سقطت هيبتها التي نسجت حولها الآساطير، لكنها فقدتها اثر فشلها الذريع في معارك القطاع في استعادة المحتجزين لدى المقاومة الاسلامية، فلم تتمكن أجهزتها الاستشعارية العالية القدرات من رصد أماكنهم، مثلما لم تتمكن قواتها من تحرير ولو واحد منهم، رغم عدة عمليات باءت جميعها بالفشل، وكانوا ينتظرون نجاح واحدة منها، أو على الأقل باعتقال قيادي مقاوم لكي يعلنوا الأمرويتباهوا به اعلاميا، لكنهم بحماية الله وتوفيقه حرموا من ذلك كله، لذلك ظلت كل تلك العمليات الفاشلة طي الكتمان، فكان لا بد من عملية تنفذها هذه الفرقة، ومضمونة النتائج بسبب التفوق التقني الهائل، فتعيد ماء الوجه لها.
السؤال الآن: ماذا بعد؟.
على الصعيد الاقليمي في منطقة أمريكا اللاتينية، ستسود موجة من الاستسلام للهيمنة الأمريكية، اذ ثبت أن الحركات التحررية غير النابعة عن عقيدة ايمانية، تتأثر قوة وضعفا بوجود حلفاء أقوياء، لكن ذلك مفقود في حالة العالم الراهنه، فمعارضو هيمنة أمريكا وهم روسيا والصين وايران، ضعفاء، وبالكاد يحافظون على بقائهم، ناهيك عن مناصرة غيرهم.
فيما أثبتت المقاومة الاسلامية في القطاع ذلك، ففي حين تراكضت كل الأنظمة العربية بعد سقوط العراق لنيل رضا السيد الأمريكي، فقد صمد الاسلاميون، ولم يفت في عضدهم غياب نصرة الشقيق ولا حتى انحيازه الى صف العدو.

