
#تأملات_قرآنية
د. #هاشم_غرايبه
يقول تعالى في الآية الرابعة من سورة يوسف: “إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ”.
تتميز سورة يوسف في أنها السورة الوحيدة التي تضمنت قصة كاملة، ولم تذكر في سورة أخرى غيرها.
القصص القرآني وصفها تعالى بأنها أحسن القصص، وذلك لأنها لم تكن توثيقا لأحداث تاريخية ولا بهدف الإمتاع والمؤانسة، فمن يروي هو المراقب، أما مقدر الحدث وصانعه، فيذكره بهدف الإفادة من المغزى والغاية، لذلك لا يذكر من تفصيلات إلا بما يحقق ذلك الغرض.
أول ما يسترعي الإنتباه في هذه الآية هي الصيغة اللغوية، فقد جاء في قول يوسف لأبيه عليهما السلام، استعماله لكلمة رأى مرتين، في الأولى رؤيته لأحد عشر كوكبا والشمس والقمر، وهذا الأمر لا يمكن أن يتم واقعيا فضوء الشمس يحجب رؤية القمر والكواكب، إذاً فالرؤية ليست رؤية بصرية.
يعزز ذلك قوله في المرة الثانية “رأيتهم لي ساجدين”، فالصياغة كان يفترض أن تكون “رأيتها” والتي تقال لغير العاقل، لكن مجيئها بصيغة “رأيتهم” التي تقال للعاقل، تتناسب مع قوله “ساجدين” فالسجود ممارسة مرتبطة بالإنسان، لأنه يعني الإنحناء الشديد احتراما واجلالا لدرجة إلصاق الرأس بالأرض، والكواكب والشمس والقمر ليس لها رأس ولا قامة تحنيها.
إذا فإبلاغ يوسف لأبيه بهذه الرؤيا كانت استفهامية ليفسرها له، كون أبيه نبيا أعطاه الله من العلم مالم يعط الناس العاديين، بدلالة: “قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَم مِنَ اللَّه مَا لَا تَعْلَمُونَ”، فعلم أبوه أنها خيال أوقعه الله تعالى في منام يوسف، لتكون إشارة من الله ليعقوب بأنه كتب ليوسف أنه سيكون له شأن عظيم في قادم الأيام، فجاءت تحقيقاً لبشارة الله الأولى لإبراهيم الذي وفى، في سلسلة النبوة التي ستكون في نفر صالحين من ذرية ابنيه اسماعيل واسحق، ابتدأت بيعقوب، وستستكمل في الصالحين من ذريته بداية بيوسف.
ربما كان ذلك ليطمئن الله قلب نبيه الكريم يعقوب على ابنه، الذي كتب عليه أن يمر بمحن متعددة، ان نجح بتخطي ابتلاءاتها، سوف يكون مؤهلا لموقع النبوة المرتقب.
ومنها نفهم كيف غمرت الطمأنينة قلبه، بأن ابنه ما زال حياً، ولم يصدق رواية إخوانه عن أن الذئب أكله: “قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ”، لذلك ومع حزنه الشديد على ابنه المفقود، صبر لأنه علم أن الابتلاءات ابتدأت، وأن صبره أمام المحن التي هذه أولها سيمتحن.
ربما يتساءل المرء أنه لولا أن يعقوب كان يفرق في المعاملة بين أبنائه ما أوغر صدورهم على أخيهم يوسف، لكن ذلك ليس صحيحا، لأن الأنبياء نفوسهم صالحة وسرائرهم نقية، فلا يتصرفون بناء على الهوى، فلا شك أنه كانت تصرفات لهم تغضب أباهم بخلاف تصرفات يوسف المستقيمة، ورغم قناعة الأب بأنهم كادوا ليوسف أمرا، إلا أنه أبقى حزنه في قلبه ولم يتصرف بحقهم بما يستحقونه، فلم يتخذ إجراء عقابيا ضدهم، لأنه علم أن ذلك تدبير من الله لا يعلم مراده منه، فصبر على ألم غياب ابنه المؤقت، ولم يستسلم لليأس: “إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ”.
في هذا الجزء من القصة عبر ودروس كثيرة، أراد الله تعالى لأمته أن تتعلمها وتعيها، أهمها:
إن تصاريف الأقدار ليست عشوائية، بل فيها حكمة ولكل حدث غرض منشود، لا يمكننا أن نعلمه، لأنه غيب لم يحطنا الله به علما، لكننا يجب أن نوقن بعدل من كتب كل ذلك وصرف الأحداث وفقه، ونعتقد دائما بأن الخير فيما اختاره الله، وانه لا يظلم أحدا، ولا يبخس عملاً.
لذلك فعلى المرء أن يجتهد في الصلاح، ولا يقول إذا ما أصابه ضيق أو لحق به أذى: لماذا خصني الله بذلك دون الآخرين؟.
بل يواظب على الصلاح ويحافظ على استقامته، فالله لا يضيع أجر المحسنين، عاجلا أو آجلا، ولا يقنط من الفرج، فهو لا يعلم أصلا إن كان ما أصابه جزاء أم ابتلاء.
فإن كان جزاء بما اكتسبه من عمل غير صالح فعله، فالعقوبة الدنيوية تطهير ينجيه من عاقبته يوم السؤال.
وإن كان ابتلاء وصبر واحتسب، فسيعقبه بلا شك حسن جزاء.

