تأملات قرآنية

#تأملات_قرآنية

د. #هاشم_غرايبه

يقول تعالى في الآيات 44-47 من سورة الحاقة: ” وَلَو تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ . لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ . ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ . فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ”.
تعتبر هذه الآيات دليلا من ضمن عشرات الأدلة التي تثبت أن القرآن الكريم هو من عند الله، وأوحى به الى نبيه الكريم، ليبلغه للناس، وهي وحدها كافية لإسقاط الحجج المتهافتة التي يقول بها بعض المكذبين بأن القرآن ليس موحى به من الله بل من عنده أو اكتتبه عن آخرين.
لو تأملنا في ما حوته من تهديد مرعب لرسول الله بعقاب أليم فيما لو جاء بشيء من عنده وقال إنه من الله، سنجد فورا أن هذا التهديد ليس موجها لرسول الله الذي اصطفاه على البشر أجمعين، فائتمنه الله على نقل رسالته الى العالمين جميعا، بل هو لكل من تسول له نفسه أن يتقول على الله، ولدحض حجة البشر المكذبين، فالله القاهر فوق عباده، لايعجزه أحد هربا، فكلهم في قبضته، فإن كان رسوله الأمين لن يمنعه أحد من الله إن أراد ان يوقع به أمراً، فكيف بالعصاة الفاسقين!؟.
يعتقد البعض أنه وبما أن القرآن أنزل على قوم النبي صلى الله عليه وسلم لهدايتهم، فكل ما فيه متعلق بهم زمانا ومكانا، وعليه فتفسيره مكتمل على يد السلف الصالح والعلماء الأوائل.
لكن الله تعالى حض على دوام تلاوته والتفكر في آياته في كل عصر وزمان، وجعل في ذلك أجرا، لأنه أرادنا أن نستخرج من كنوز المعرفة التي حواها بشكل طبقات، فكلما تقدم الإنسان فهما ومعرفة، لم يتوقف في التفسير على ظاهر القول، بل تبحر به أكثر، بناء على ذلك فلا يمكن أن يتوقف مراد الله من هذه الآية عند حدود إقناع المشركين بأن هذا القرآن من عنده، فليس من حاجة لإنزال هذا العدد الكبير من الآيات المقنعة للعقل، بل كانت آية كونية واحدة يرونها بأعينهم كافية لصدم عقولهم المتشككة.
لكنه أراد بهذه الآية مرادات أبعد من قريش وتكذيبها، فهؤلاء سوف يؤمنون بقناعاتهم أو بعد الفتح.
وإذاً فما لزوم ابقائها تتلى الى يوم الدين؟.
إن الله يعلم ما سيكون في قادم الأيام، فسيظل هنالك مكذبون، كما سيكون من بين المؤمنين من ينحرف إيمانهم اتباعا للهوى مثلما حدث مع من أنزلت عليهم الرسالات السابقة.
فقد أعلم الله تعالى رسوله الكريم بأن هذا الدين سيبلغ مشارق الأرض ومغاربه، ولن ينال منه الكافرون، لكن الخطر الأكبر على الدين سيكون من نفر مؤمنين من أمته سيتنطعون في الدين، ويبالغون في التشدد، لدرجة إفساده، فيتبعون سنن من كان قبلهم الذين أدخلوا على الدين ما ليس فيه، وهم يظنون أنهم يحسنون عملا ويحافظون عليه من التهاون.
هؤلاء المتشددون هم ليسوا أكثر إيمانا من متبعي الدين القويم، لكنهم لطبيعتهم المتشككة في نوايا الآخرين، لا يعتبرون ما شرعه الله رادعا، فيريدون أحكاما متشددة وعقوبات قاسية.
وفعليا ظهر هؤلاء في زمن مبكر، وكانت أول محاولة إدخال آية “والشيخ والشيخة فارجموهما البتة”، لكن أبا بكر والصحابة الذين يحفظون القرآن غيبا ويعلمون أن ذلك ليس منه، تصدوا لهم وبادروا الى تدوينه، لكيلا يضاف عليه.
ولما أغلق الباب على المتشددين، توجهوا الى وضع الأحاديث أو تحويرها، صحيح أن علماء الحديث بذلوا جهودا جبارة في تنقيحها وتصحيحها، لكن لأن المنهج تقديري مبني على تقييم سلسلة الرواة، ومعتمد على الشهادات بصدقهم، فلا يمكن ان يسلم من الهوى.
ان المنهج في التشريع واضح، فالمشرع هو الله تعالى وحده: “إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ” [يوسف:40]، وتشريعه كامل لا يحتاج إكمالا ولا تصويبا: “وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا” [الكهف: 26]، أي لا أحد بالمطلق ولا حتى الأنبياء، وكل ما شرعه الله موجود في القرآن، والسنة النبوية ليست تشريعا آخر، ولا خيارا بديلا، إنما هي مُفصّلةٌ للمجمل من التشريع القرآني، ومخصِّصة للمُعمّم منه، ومفسرة بالتطبيق العملي له، لهذا يمكن التفريق بين الصحيح والموضوع في الأحاديث من مدى التزامها بهذه القاعدة.
وهكذا يمكن فهم أن هذا التهديد والوعيد الإلهي قد يكون للمتشددين والتكفيريين، الذين يتقولون على الله، ويسعون لتبديل تشريعاته وفق أهوائهم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى