تأملات قرآنية

#تأملات_قرآنية

د. #هاشم_غرايبه

يقول تعالى في الآية الرابعة من سورة البينة: “وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَةُ”.
دائما ما تثار قضية خلافية حول مسألة “الأديان السماوية”، ويحترب أتباع كل دين ويتصارعون أنهم هم الدين الحق والآخرون على باطل، فهل من المنطقي أن يكون هنالك إله واحد وينزل ثلاثة أديان متباينه ويقول للبشر اختاروا ما يحلو لكم منها؟.
هذه الآية تقطع في هذه المسألة، وتبين في الآية الخامسة أن الدين واحد، ولكن أنزل برسالات متتالية، وما دعا أي رسول الا إليه: “وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُواْ ٱلزَّكَوٰةَۚ وَذَٰلِكَ دِينُ ٱلۡقَيِّمَةِ”.
بداية السورة تجيب على سبب تفرق الدين، وبشكل أصح افتراق أتباع الدين الأوائل، وابتداع كل فريق مسمى للدين لم يأمرهم به الله، وانما جاءهم ببينة واضحة صريحة، أرسل بها رسول من الله، وهي الآيات القرآنية، مفسرة وموضحة ومرشدة: “رَسُولٞ مِّنَ ٱللَّهِ يَتۡلُواْ صُحُفٗا مُّطَهَّرَةٗ . فِيهَا كُتُبٞ قَيِّمَةٞ”.
هكذا يتبين لنا وبشكل قاطع أن الدين واحد وليس ثلاثة، ومن يصر على استخدام (مصطلح الأديان السماوية) فهو يخالف أوامر الله وبالتالي فهو آثم، فالدين عند الله واحد ومسماه: الإسلام.
السؤال هنا: لماذا اذاً أنزل الله رسالات متعددة وشرائع مختلفة، ولم ينزل الدين كله وتشريعاته منذ الدعوة الأولى.
كل الأنبياء الذين أرسلهم الله كان عنوان دعوتهم التوحيد، لأن البشر من ذرية آدم أضاعوا العقيدة مع تكاثرهم وتوزعهم وتقادم الزمن، فاعتقدوا بتعدد الآلهة، ولما أن اراد الله هدايتهم أرسل لهم رسلا منهم اختارهم انبياء، وكانت رسالاتهم اصلاحية تنويرية، لا تحمل تشريعات، بسبب بدائية البشر، وكانت دعوة نوح عليه السلام مرحلة جديدة إذ وصل التطور البشري الى درجة يمكنهم فيها استيعاب الدين، وهنا بدأت الدعوة الى الاسلام، وكل رسالة بعده كانت تحوي من الدين أوسع مما قبلها، وتشريعات تتناسب مع مفاهيم ذلك الزمان، وكان ذلك التدرج لأن الله أراد أن تبقى منارة التوحيد قائمة الى حين حلول الزمن الذي يمكن للبشر فيه استيعاب الدين الكامل بالصورة النهائية، وبذلك ستنقطع تلك السلسلة الطويلة من الرسالات، فقد اكتمل الدين، وعلى الناس جميعا أن يتبعوه، وبديلا عن الانبياء الهادين أنزل لهم القرآن، ليبقى مرجعا موثوقا، فلا يعودن أحد الى الضلالة من جديد.
والدليل على أن الدين الذي دعا اليه جميخ الرسل هو الاسلام هو كتاب الله.
فقال تعالى عن نوح: ” وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ” [يونس:72].
وعن ابراهيم: ” رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ ” [البقرة:128].
ويعقوب: “وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ” [البقرة:132].
وموسى: “وَقَالَ مُوسَىٰ يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ” [يونس:84].
وعيسى: فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ” [آل عمران:52].
وسليمان: “أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ” [النمل:31].
وحتى الجن المؤمن قالوا: “وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ ۖ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَٰئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا” [الجن:15].
وأما خاتم الأنبياء فقد أبلغه تعالى: “إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ” [آل عمران:19]، و”وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ” [آل عمران:85].
وهنا بنبع سؤال: من أين إذاً جاءت التسمية: الديانة اليهودية والديانة المسيحية؟
اليهودية ليست ديانة، ولم ترد في كتاب الله أية اشارة الى دعوة موسى بـ (اليهودية)، ما جاء هو (اليهود)، وهو مسمى تلك الطائفة من بني اسرائيل التي عبدت العجل، لما تابوا قالوا انا هدنا الى الله (أي عدنا) فسموا اليهود، لكن هؤلاء كانوا يراوحون بيت الايمان والمعصية، حتى غضب الله عليهم ولعنهم، والقلة الصالحون من اتباع موسى هم من يسميهم القرآن ببني اسرائيل، ومنهم كان الانبياء، وآخرهم كان المسيح ويحيى، وبموتهما انقرضت هذه الذرية فلم يبق الا اليهود، لذلك سموا العقيدة التي دعا اليها موسى باليهودية.
أما المسيحي فكان مسمى من اتبع الحواريين تلاميذه الذين كان مسماهم النصارى، ثم أطلقت فيما بعد على الدعوة ذاتها رغم أنه لم ترد في الانجيل ولا القرآن.

مقالات ذات صلة
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى