تأملات قرآنية

#تأملات_قرآنية

د. #هاشم_غرايبه

يقول تعالى في الآية 35 من سورة محمد: “فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ “.
ان الله تعالى يعلم أن المسلمين الذين كلفهم بالدعوة الى صراطه المستقيم، سوف يواجهون الصد والممانعة من ذوي المصالح والامتيازات، خشية من فقدانها ان طبق منهج الله وحقق المساواة بينهم وبين الضعفاء الذين ما تحققت أرباحهم إلا على حسابهم وبظلمهم، وما نالوا تميزهم ومكانتهم العلية في المجتمع إلا بسبب التباين الطبقي عن العامة، واتباع منهج الله سيفقدهم كل ذلك، لأنه سيحقق العدالة الاجتماعية وازالة الفوارق الطبقية، لذلك لن يألوا جهدا في كل العصور لمنعه من الانتشار، ولن يتوقفوا عن شن الحروب على متبعيه والدعاة له، بهدف استئصاله نهائيا أو على الأقل محاصرته وإضعافه.
هذا هو قدر المسلمين، ولن ينعموا في أية فترة بالسلام والاستقرار، طالما أن أعداء منهج الله قادرون عليهم، فلن يتوقفوا عن شن العدوان تلو العدوان، ولن يتوقف ذلك بمحاولة المسلمين استرضاءهم وعقد معاهدات معهم لا قناعهم بالرغبة في السلام والتعاون، فذلك يزيد من اطماعهم ويشجعهم على زيادة وتيرة العدوان لأنه يؤملهم بتحقيق هزيمة الإسلام.
هذه الآية تأتي في سياق شحذ همة المسلمين، والتأكيد من قبل العليم الخبير ان أمنهم ونجاتهم من كيد أعدائهم، لن يتحقق بالموادعة والمسالمة بل في حالة واحدة: عزة جانب المسلمين بإعدادهم القوة التي ترهب من تحدثه نفسه بالعدوان عليهم، لتيئسهم من إمكانية التغلب عليهم.
لذلك نهاهم عن اتباع النهج الاستسلامي التطبيعي، فذلك لن يحقق لهم نفعا ولن يدرأ عنهم ضرا.
بالمقابل فإنهم ان اتبعوا منهجه، وأصروا عل نصرة دينه، فقد كفل لهم النصر بضمانتين:
الأولى أنهم سيبقون الأعلون لأنهم على الحق، بغض النظر عن توازن القوى وعن غلبة أعدائهم في العدد والعدة.
والثانية أنه معهم، وهذه هي الضمانة المؤكدة، فمن كان الله معه لا يهمه من كان عليه، ولو اجتمعت عليه كل قوى الأرض وأعتاها.
هاتان الضمانتان تعملان معاً كحزمة واحدة، وهما تشكلان الضمانة الوحيدة الأكيدة للنصر، فرأينا عبر التاريخ كم انهزمت قوى عظمى كانت تقول: من أشد منا قوة، لكنها اندثرت أو خبا مجدها، ورأينا الفئة القليلة المؤمنة التي كانت تخشى أن يتخطفها الناس لضعفها وقلة ناصريها، لكنها بقيت وعلا شأنها، وما زالت الى اليوم في نمو وتزايد.
وكأنما أراد الله بتقديره لما يحدث في القطاع أن يعلمنا درسا واقعيا، فالفئة القليلة من الأمة الذين تمسكوا بمنهجه ، رفضوا أن يلقوا السلم لعدوهم، وأعدوا العدة وجاهدوا بما أمكنهم، كان معهم، بدليل أن اجتماع كل أشرار الأرض عليهم، من أعداء منهج الله التاريخيين، ومنافقي الأمة المتمسكين بعرض الدنيا، لم يفت في عضدهم، بل ما زالوا صامدين، فكان نصر الله متمثلا بتثبيت أقدامهم.
فيما رأينا المتخاذلين من الأمة ما ازدادوا بإلقائهم السلم بالتطبيع إلا ذلا ومهانة.

مقالات ذات صلة
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى