تأملات رمضانية

تأملات رمضانية

د. هاشم غرايبه
يقول تعالى في الآية الثامنة من سورة الجمعه: “قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ۖ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ”.
الصورة البلاغية الباهرة في هذه الآية هي تصوير الموت وكأنه وحش مخيف يلاحق المرء، وهو يجدُّ في الهرب منه، لكنه ما أن يعتقد أنه خلفه ولم يمكنه من الإطباق عليه، حتى يجده أمامه سادا عليه الطريق، فعندها لا مهرب منه!.
في هذا العصر، وبعد أن تقدمت معارف الإنسان، فهمنا مراد الله من قوله (فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ)، حيث اكتشف وجود إنزيمات الكاسبيز(caspases) في داخل الخلية، وهي تقوم بتفتيت DNA و عضيات الخلية فور صدور الأمر بالموت، ولم يثبت الى اليوم أن الدماغ هو المسؤول عن اصدار ذلك الأمر، كما أن ذلك نقض الفكرة عن أن السبب هو توقف القلب عن تزويد الجسم بالأوكسجين والجلوكوز اللازمين لحياة الخلية.
والدليل هو اكتشاف ضفدع الخشب الذي يعيش في الاسكا، فهو يبقى فى مرحلة السكون طوال فصل الشتاء البارد ويتجمد جسده تماما، ويفرز بروتينات تمنع تكون كريستالات الثلج، وبروتينات أخرى تخفض التفاعلات الأيضية إلى أقل قدر ممكن، لكن هذا لا يعني أنها تتوقف عن الحياة تماما أو تموت ثم تعود للحياة مرة أخرى.
منذ القدم، توصل الإنسان الى أكثر الحقائق يقينية، وهي حتمية الموت، ولم تنجح كل محاولات البحث عن إكسير الحياة، فاستسلم أخيرا لهذه الحتمية المؤكدة التي لا استثناء لها، والتي هي بحد ذاتها تؤكد أن الكائنات الحية جميعها خلقت لغاية تؤديها ثم تموت، وهكذا دواليك، فلو كانت خلقت عبثا أو وجدت بالصدفة من غير موجد، لكانت هنالك حالات لا تموت فيها بعضها على الأقل، لكن متوالية الحياة والموت لكل الكائنات بلا أي خلل أو توقف لهذه السلسلة المتصلة تثبت أن ذلك منظم ومقدر من قبل حكيم قدير.
غير المؤمنين يحلمون بكسر هذه الحتمية بهدف اثبات عبثية الوجود، وعدم وجود ضابط مهيمن عليه، فقاموا بجهود مضنية عبر القرن الماضي لمحاولة تخليق المادة الأساسية في الكائن الحي وهي الخلية، ونشر في الإعلام المضلل أخبار عن النجاح في تكوين خلية حية، لكن الحقيقة أن ما تم لا يعدو محاكاة لبعض خصائص الخلية.
فهذه الخلايا الاصطناعية لا يتم صنعها من مواد حية ولا تقوم بعمل الخلية الحية لكنها تحاكيها في وظيفة ما.
من الأمثلة على ذلك ما قام به “شريف منسي” الذى قدم فيه مع فريقه خلية صناعية يمكنها خداع الخلية الحية و إيهامها بأنها أيضا خلية حية مثلها، ويمكن أن ترسل لها وتستقبل منها رسائل كيميائية، تماما مثلما يوهم الحاسوب مستخدم برنامج (ChatGPT) أنه شخص عاقل ويعرف كل ما يسأل عنه. فما صنعه “منسي” ليس بالطبع خلية حية ولم يقترب من ذلك، وإنما صنع شيء يمكنه محاكاة أحد التفاعلات الكيميائية بين الخلايا.
وفي محاولة الهرب من الموت، فهنالك مشاهير وأثرياء دفعوا مبالغ طائلة لتحفظ جثثهم أو أدمغتهم حتى يصل العلم يوما ما إلى تقنية لإحياء الموتى.
يقول د. أحمد ابراهيم عن ذلك: لا يوجد أى دليل علمى على إمكانية إحياء الموتى بتقنية ما فى المستقبل، فلو نجت الجثث من آثار التبريد، فلن يتمكن أحد من إصلاح ما دمره إنزيم الكاسبيز.
هذه العملية تسمى Cryonics ، وهى تعتبر علما زائفا، فالذي يفعلونه فى هذه العملية هو التبريد السريع للجثة أو الدماغ فى النتروجين السائل عند درجة حرارة -195°C ، مع حقن مواد كيميائية لمنع الماء من تكوين كريستالات الثلج الحادة، لأنها لو تكونت فسوف تمزق الخلايا وتتسبب فى دمار خلوي كبير.
وهذه التقنية في الأصل تعتبر محاكاة لمرحلة البيات، التي يقوم بها كثير من الكائنات الحية حتى تتحسن الظروف البيئية، مثل بذور النباتات وبعض الأسماك والضفادع والديدان والبكتيريا.
لكن هذا لا يعني أنها تتوقف عن الحياة تماما أو تموت ثم تعود للحياة مرة أخرى، لأنها تظل حية أثناء فترة السكون مهما طالت ويظل هناك تفاعلات داخل الخلايا بالرغم من قلتها.
هكذا يأتي الله المكذبين بآياته من القواعد التي يبنون عليها، فهم يكيدون ويجرون البحوث، فتثبت بحوثهم مصداقية كلام الله.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى