
تأملات رمضانية
د. هاشم غرايبه
اختلفت بعض دول العالم الإسلامي في إعلان بداية شهر رمضان المبارك هذا العام، مما تسبب في حالة من الجدل، واغتنم بعض المتربصين الفرصة، فأخذوا بالتهكم، واعتبروا ذلك دلالة على تخلف المسلمين وعدم قدرة الإسلام على مجاراة التقدم في علم الفلك والتطور في علوم الفضاء.
بداية فللذين يعتبرون رصد الهلال مسألة متخلفة، هم واهمون، إذ أن العلاقة بين الأرض والقمر والشمس دقيقة محكمة، فالحسابات سواء كانت بالنسبة لموقع الأرض من الشمس أو موقع القمر منهما هي بالدقة ذاتها، وقد شاءت حكمة الله أن يجعل للأرض قمرا يدور حولها، ليحقق غايات نافعة للبشر، منها ما علمناه مثل المواقيت وحركة المد والجزر، وهنالك ما لا نعرفه.
العنصر الأهم للحياة هو الزمن، ولا معنى لها بدونه، فجعل الخالق معيار الزمن هو دوران الأرض حول نفسها، وفي الوقت نفسه لأجل تتالي الليل والنهار، لذا جعل الشمس دليلا على اليوم، لكن الشهر جعل القمر عليه دليلا وليس الشمس، وجعل دوران الأرض حول الشمس ومعها القمر (ولم يجعل دورانه حول الشمس) لكي تنضبط المواقيت: اليوم – الشهر – السنة، لذلك قال تعالى: “يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ” [البقرة:189].
فالرصد الفلكي لا يحدد الإجابة القاطعة كما يتوهم هؤلاء، فهو يقدم معلومات عن موعد الاقتران، أو ما يسمى شرعيا تولد الهلال، والذي يعني فلكيا أن يكون القمر على الخط ما بين الأرض والشمس تماما، وبالطبع فحسابات ذلك في عصرنا ممكنة وبكل دقة، بل ومسبقا وقبل حدوثها فعليا ولعشرات السنين القادمة أيضا.
القضية المختلف عليها هي الرؤية، هل هي العينية أم تجوز بالرصد بالأجهزة.
عندما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم؛ فأكملوا عدة شعبان ثلاثين”، ذلك أن الشهر القمري يكون ثلاثين يوما أو تسعا وعشرين، مثلما أن الشهر الشمسي ليس واحدا بل يكون إما (28 أو 29 أو 30 أو 31) يوما، لكن النص لم يحدد الرؤية العينية لأنه في تلك الأيام لم تكن الأجهزة المقربة قد اخترعت بعد، كما لم تكن الحسابات الفلكية قد تقدمت.
ما استمر الاختلاف في الأمر الى اليوم إلا لأن أغلبه سياسي وليس فقهيا، لذلك تمت الدعوة الى مؤتمر لتوحيد التقويم الهجري في اسطنبول عام 2016 وجرى فيه الاتفاق على مبدأ أن الرؤية تتحقق إما بالعين المجردة أو بالاستعانة بالمراصد والأجهزة الفلكية الحديثة، وعدم الاعتراف باختلاف المطالع.
وبناء عليه فقد وضع تقويم للسنوات القادمة، لكن بعد عودة الوفود العلمية الى بلادها نكص بعض الساسة على عقبيه ولم يلتزم بما اتفق عليه، مجاراة للسلفين الاستنساخيين الذين هم عنده.
ما جرى من اختلاف على بداية رمضان هذا العام يثبت ذلك، ففي حين حددت الدول الاسلامية في جنوب شرق آسيا بداية رمضان ونهايته مسيقا، بناء عل الحسابات الفلكية الدقيقة، فإن الدول العربية اختلفت وانقسمت الى فريقين، ومن المتوقع أن يحدث الخلاف أيضا في تحديد يوم عيد الفطر أيضا.
السؤال المهم لماذا الاصرار على الاختلاف رغم أن الاتفاق على أساس الاستعانة بالمراصد الفلكية التي لا تخطئ الحساب لا يدع مجالا للشك؟.
ولماذا يتقبل من يمالئون المتشددين فكرة أن يتحدد وقت الصلاة بناء على الحسابات الفلكية وبناء على الساعة التي لم تكن معروفة زمن التنزيل، ولا يصرون على على تحديد وقت الأذان بناء على قياس طول ظل العود، والتي حددتها السنة ولا يقبلوا تلك الحسابات للصيام؟.
هل ذلك عائد الى الالتزام بتعليمات ولي أمر أنظمة سايكس بيكو القاضية بإدامة الخلافات لمنع توحد الأمة!؟.
