تأملات رمضانية

تأملات رمضانية

د. هاشم غرايبه

كثيرا ما يجادل بعض المضبوعين المبهورين بحياة الغرب، بأن المسلمين لا يمكن أن يرتقوا الى مرتبة الأوروبيين في مجالي النظافة والنظام، قد يكون الواقع الحالي داعما لرأيهم، لكن ذلك ليس عائدا لمنهج العقيدة النظري، بل للتوجيه والتطبيق العملي للقيم الإجتماعية، الذي هو مسؤولية النظم السياسية.
الدليل على ذلك من واقع التاريخ والمقارنة، وفي ذلك تكفي شهادة العالم الأمريكي “جوزيف ماكيب” في كتابه: “مدينة المسلمين في اسبانيا”: “كان في قرطبه تسعمائة حمام عام غير الحمامات الخاصة في كل بيت، والشوارع مبلطة وتحتها قنوات للصرف الصحي مغطاة، فيما كانت المدن الأوروبية تخلو من أي حمام عام، والمياة العادمة تجري في قنوات مكشوفة في شوارع باريس، وبعد سقوط الأندلس، كان أول ما قامت الملكة إيزابيلا (والتي اشتهرت بأنها لم تستحم سوى مرة واحدة)، هو تدمير الحمامات العامة”.
الإسلام جعل النظافة والترتيب من الإيمان، فلا أعظم من ذلك وازعا، لذا فالتقصير الحاصل هو من باب تخلي السلطة والتربية المجتمعية عن واجبها في تطبيق تعاليم الدين وأخلاقياته وآدابه، ولو قدر لنظام حاكم أن يكون إسلاميا ملتزما بتطبيق الدين لرأينا ما يبهرنا، فلدينا إعداد للفرد مسبق وتهيئة له لتفهم أن هنالك ارتباط وثيق بين طاعة الله في أداء الفرائض، وبين النظافة في النفس وفي المظهر والبيئة، والدلائل على ذلك في الأمثلة التالية:

إن أداء صلاة الجماعة بحد ذاته تعبير عن ذلك الإلتزام الفائق بالدقة بالأداء والإنصياع التام للنظام المحدد الدقيق، فالكل يتبعون الإمام مهما كانت منزلتهم الإجتماعية أو السياسية أو العلمية، حتى أنه لو أخطأ في الصلاة فعليهم اتباعه وعدم الإعتراض حتى لا يختل النظام.

مقالات ذات صلة

خطبة صلاة الجمعه هي محاضرة، يستمع الجميع للخطيب ولو كان المستمع أكثر منه علما، ولا يتبرم ولا يناقش، حيث لا تسمع نأمة ولا حركة ولا يتحدث امرؤ مع جاره، بل ينصت بانتباه، فهل توجد حالة من الإنضباط شبيهة في أرقى الأماكن في العالم!؟.

في المسجد الحرام في رمضان وقبيل أذان المغرب يتهيأ القائمون في المسجد الحرام للإفطار، قبل عشرة دقائق تمد المفارش أمام ما لا يقل عن نصف مليون شخص، وعليها حبات تمر وكأس ماء وكوب قهوة صغير، وفي الساحات الخارجية هنالك مثل عددهم من الفقراء توضع أمامهم وجبات سريعة، بعد عشرة دقائق تماما تقام صلاة المغرب ويكون المليون شخص قد تناولوا الإفطار، وتم تنظيف كل ما هو أمامهم.
لتصور قيمة هذا الأمر الباهر، لنا أن نتذكر أن أمريكا حشدت للتحضير لغزو العراق عام 2003 حوالي مائة ألف جندي، استغرق الأمر في نقل القوات وتأمين الخدمات اللوجستية لها ستة أشهر، وكانت كلفة الإعاشة اليومية عشرة ملايين دولار.
لو قارنا الحالة اللوجستية فقط، سنجد أن الفارق في التنظيم الإسلامي التلقائي الذي يقوم به متطوعون يخدمون عشرة أضعاف عدد القوات الأمريكية، بلا كلفة تقريبا، فكل الطعام والماء والملحقات ومقدمي الخدمة متبرعون يتبارون في فعل ذلك على حسابهم، وهم في أعلى درجات السعادة بعملهم هذا، وهنالك مؤسسات تأسست لخدمة ضيوف بيت الله الحرام، وقامت على مبدأ تقديم الإحسان ولا ينتظر مؤسسوها جزاء ولا شكورا، إلا ابتغاء وجه الله.
وإذا أضفنا لذلك خدمات التنظيف والعناية بالمرافق، فهنالك محسن كريم يتولى ذلك منذ سنوات كثيرة ويتحمل كلفا بالملايين، فهو يوظف جيشا من آلاف العاملين، وآليات تنظيف متقدمة ومواد متطورة، يقومون خلال ربع ساعة بعد انتهاء كل صلاة، بالتنظيف والتعقيم بكفاءة عالية.
عندما يكون الدين دافعا فإن من يقدم تلك الخدمات، يفعل ذلك في منتهى الإخلاص، لأن من يراقبه الله السميع البصير، والذي لا يقبل إلا طيبا، لذلك لا يمكن للمحسن الحريص على قبول عمله أن يغش أو يدلّس.
هكذا فالدين يُعِدُّ الفرد إعدادا كاملا، فيهيئه لتقبل مفاهيم النظافة والترتيب، شريطة أن يكون النظام السياسي إسلاميا متبعا لمنهج الله، لذلك يكون مخلصا لمجتمعه، فيبادله الناس الود.
لكن إن لم يكن كذلك..فإن المنتج يكون ما نراه حالياً: شعوبا تخرب بيئتها انتقاما من النظام الفاسد الذي يجثم على صدورها، ولأنه مستبد يستأثر بكل شيء، فكل المرافق العامة مسماة بإسمه، لذلك فلا يحافظون عليها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى