تأملات رمصانية

تأملات رمصانية

د. هاشم غرايبه

رأيت مرة ثلاثة من جماعة الدعوة، يحاولون إقناع أحد المارة بدخول المسجد لأداء صلاة العصر، وهو يتمنع مستنكرا دعوتهم، هؤلاء كانوا لسذاجتهم يعتقدون أن هذا الشخص لا ينتبه لوجود المسجد، وأنه بمجرد سماعه موعظتهم بعد الصلاة التي ستكون تخويفا بالعذاب، سيلتزم بأداء العبادات.
لا يوجد في هذا العصر من لا يعرف الإسلام أو من لم يسمع عنه، فخارج ديار الإسلام قد يكون ذلك عن طريق الدعاة، أو بالبحث الذاتي المعرفي بقصد التعرف عليه، أو معرفة خاطئة تأثرا بوسائل الإعلام المعادي له من خلال التشويه التعصبي.
في ديار الإسلام الناس بمعظمهم أحد ثلاثة: من عرفه بحكم الواقع فهو مسلم بحكم العادة، وآخر تعمق في التعرف عليه فترسخ إيمانه، والثالث تبحر أكثر فاستوعب من العلم بالدين أكثر، فحبب الله الى خلقه بعلمه وسلوكه.
لكن خارج هؤلاء، هنالك أناس غلبت عليهم شقوتهم بعد إذ ضعفوا أمام شهواتهم، هم يعرفون أن الدين حق، لكنهم تقاعسوا عن أداء العبادات كسلا وتراخيا، ولأجل ألاّ يعترفوا بالتقصير، فهم يحيلونه الى عدم الإقتناع بجدوى الدين تارة في إصلاح المجتمعات، أو يبررون تركه بأنه بسبب سوء أفعال بعض المتدينين.
أشد هؤلاء ضلالة هم ممن يعتبرون أنفسهم مثقفين من أدباء وفنانين، فدفعهم غرورهم بما نالوه من معرفة ضئيلة، لأن يتعالوا على غيرهم، فأوهموا أنفسهم بأنهم ما هجروا الدين انسياقا وراء الشهوات وتحللا من الإلتزامات، بل لأنهم احتكموا الى العقل، وأضلهم في ذلك ما قرأوه من تشكيكات بعض الفلاسفة والمفكرين الغربيين ممن لم يعرفوا الإسلام أو لا يعترفون به أصلا، وزاد في ضلالهم توهمهم بأن التقدم العلمي للغرب ما تحقق إلا لبعدهم عن الدين، وأن تخلف المسلمين بسبب تمسكهم به.
فهؤلاء لجهلهم تعاموا عن السبب الحقيقي لتخلف الأمة، وهو أنه مضروب عليهم قصداً، وبقرار سلطوي.
وهؤلاء ليسوا على شاكلة واحده، فهم على درجات ثلاث:
الأولى هم الطامحون لنيل الثواب من غير جهد ولا تضحيات، يعزي نفسه بأن الله غفور رحيم، ويطمع بأن مجرد نطقه بالشهادتين كاف لإنقاذه من النار … صحيح أن رحمة الله واسعة، ولا كبيرة مع الاستغفار، لكنه لا صغيرة مع الإصرار، والاستغفار يلزمه قلب سليم…لذا فالأمر جد خطير، لأن مغفرة المعاصي المتحققة جراء التقاعس والتقصير قد لا تكفي لزحزحته عن النار، مع وجود جبال متراكمة من الذنوب جراء الإصرار على المعصية.
في الدرجة الثانية من هؤلاء، نفرٌ لا يجدون بُدّا من الإعتراف بوجود الخالق، لكنهم لا يؤمنون باليوم الآخر، ويعتقدون أن الدين منتج بشري جاء به مصلحون، ويرددون المقولة المتهافتة بأن الرسالة المحمدية ليست دينا إلهيا، وإنما منقولة عن التوراة، رغم أنه لا يوجد دليل واحد على ذلك، وإنما هي ترديد لمقولة الكافرين الأوائل، وأغلب فئة اليساريين من بين هؤلاء، لذلك هم أكثر من يجادلون في الدين ويمانعون تطبيق منهج الله، ..وهؤلاء صورة مستنسخة لأبي جهل، لم تتطور ولم تتعدل، فهو كان يؤمن بالله ولا يؤمن برسوله، ولشدة حمقه دعا الله يوم بدر أن ينصره على المسلمين!.
يلي هؤلاء الفئة الأشد عداء لمنهج الله، وهم الذين في قلوبهم مرض، أي الامتداد التاريخي للمنافقين عبر كل العصور، لذلك فهم معادون للإسلام تحديدا، لا يجدي معهم حوار، فكلما قدمت لهم دليلا استكبروا، وإن جاءوا بحجة فدحضتها لهم بحثوا عن غيرها…هؤلاء الذين أركسهم الله ، وسيبقوا كذلك، فلا يرجى منهم للأمة نفعا، ولأن الله لو علم فيهم خيرا لهداهم، لذلك ختم الله على قلوبهم فهم لا يفقهون، وعلى سمعهم فلا يعقلون كلام الحق حتى لو سمعوه، وجعل على أبصارهم غشاوة فلا يرون الفارق بين الحق والباطل.
مع الفئة الأولى يجدي النصح والإقناع، مع الثانية قد ينفع لبعض من كان يحتكم لعقله الإقناع بالعلم والمنطق، أما الثالثة فلا أمل في إصلاحهم، لذلك أمرنا الله تعالى أن نعرض عنهم: ” وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا “.

مقالات ذات صلة
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى