الـتَـمْـحــيــصُ والـتَـحــمــيــص…!!! / د . ناصر نايف البزور

الـتَـمْـحــيــصُ والـتَـحــمــيــص…!!!
نا من المُعجبين جِداً بشخصية المعتصم وغيره من الأبطال المسلمين، ولكنَّني لم أستطعْ أن أقتنع يوماً بسيناريو و حوار قصَّة فتح عمّورية التي نحفظها جميعاً عن ظهر قلب؛ و كيف استجاب المُعتصم لمُجَرّد استغاثة فتاة صرَخَت “وامُعتصماه”! رُبَّما أكونُ مُخطئاً؛ فلا شَكَّ أنَّ المُعتصم كان من القادة الأفذاذ أصحاب الكفاءة العالية علماً وفقهاً وشجاعةً؛ لكِنَّ السياق التاريخي الطائفي والمذهبي في ذلك الوقت وما لَـحِـقه مِن أزمنة غابرة هو ما ساعد على خلق تلك الأسطورة و”تحميصها” بصيغتها الحالية التي خلّدتها بعضُ الكُتب وعلى رأساها قصيدة أبي تَمَّام الرائعة “السيف أصدقُ إنباءً من الكُتُب…”!!! كُلّنا يعرف القصة الكاملة بتفاصيلها الدقيقة والكثير مِنّا يحفظ هذه القصيدة، ولكنْ مَن مِنَّا يعرِف اسم الفتاة التي استغاثت بالمُعتصم أو شيئاً عن عائلتها أو عن مصيرها!!!

لا شَكَّ أنَّ تاريخَ الأُمَم هو جُزء لا يتجَزأ من ثقافة وحضارة أيّة أُمـَّـة تسعى للنهضة والتقدُّم والنماء البشري والعمراني والسياسي والاقتصادي! لذلك ينبغي أن يتمَّ التعامل مع عناصر التاريخ المختلفة بغاية العناية والحذرٍ الشديدين! لذلك ينبغي أنْ يأخُذَ العلماء الثقات على عاتقهِم مهمَّة “التمحيص” الدقيق والموضوعي المتأنّي والشامل لجميع تفاصيل و مفاصل وتداعيات أحداث تاريخنا العربي والإسلامي لأنَّ تلك الوقائع التاريخية ما زالت وستبقى تعيش وتتفاعل معنا في حاضرنا ومستقبلنا! فإنْ صَحَّتْ، صَحَّت واستقامت أمور معاشنا تفكيراً و تخطيطاً و نًـمُـواً! وإنْ اعتراها سَقَمٌ و تحريف أو تزوير، انعكس ذلك سلباً على شعوبنا شططاً و تكفيراً و خمولاً ونَـوماً!

الطامَّة الكُبرى لا تنْحَصِرُ في مُجَرَّد ميل الكثير مِنّا إلى الأخذ بجميع تفاصيل تلك الأحداث كما وَرَدَتْ إلينا والعمل بها كَمُسَلّمات بدهية وحقائق علمية لا تقبل النقاش دونَ أدنى درجات الحذر والتمحيص والتفكير بمصداقيتها، وإنَّما تَكْمُن و تَبْرُزُ فيما يترتَّبُ على ذلك مِن إصدار الأحكام الفقهية و الفرضيات الفكرية والمنهجية والفلسفية والتربوية والسلوكية!

و كما نعلمُ فما بُنِيَ على باطل فهو باطل! فهل سألَ أحدُنا نفسه يوماً عن صدقية ومصداقية مثل تلك القصص التي رُبَّما يكون قد خالجها “التحميص” بزيادة الفلفل، والملح، والصبغات والبهارات المختلفة عبر العصور حتَّى وَصلتنا بألوان مُختلفة ونكهات غير حقيقية، إمَّا بالمبالغة في تفاصيلها أو تحريف بعض مُعطياتها أو حَتَّى تزويرها بالكامل! وهنا تأتي ضرورة التمحيص والإمعان لاجتناب مخاطر التحميص و الافتتان!

مقالات ذات صلة

ولنتذكَّر انَّ التاريخ يكتبه وينشره و يُسَوِّقُه مَن هُم في السلطة مِن أصحاب الحظوة و النفوذ السياسي والمالي عبر الدهور! فلطالما نُشِرَت مئات الكُتُب والصُحُف في تمجيد شخصٍ مهووس مُجرِم “ما بسوى قرش” مثل القذافي؛ بل وتمَّ استئجار شعراء، و فلاسفة وإعلاميين عالميين لإبراز نُبوغ ذلك الفاشل! وإذا بقينا نتعامل مع التاريخ بنفس المنهجية “التحميصية” ، فقد يأتي يومٌ بعد بضعة قرون يُعادُ فيها تسليط الضوء على هذه الكُتُب قصداً أو جَهلاً، فَتُصبِح الأجيال تتغنّى بأعمال وأساطير الفاتح العظيم، والفيلسوف الكبير والقائد الفذ مُعَمَّر القذّافي!

وقِسْ على ذلك تاريخ مئات الأباطرة والمُستبدّين عبر التاريخ الذين خلَّدَتهُم الأقلام و نفَخَهُم الشعراء الكاذبون و مَن تَبِعَهُم من الغاوين المُزَوِّرين الذين هُم في كُلِّ وادٍ يهيمون وتحتَ كُلِّ دولارٍ يلعقون، وفي كُلِّ كازينو يرقصون! كَم مِنْ هؤلاء قد تَمَّ تقديمهم للأجيال كأبطالٍ و مُحرِّرين و فاتحين عُظماء، حَتَّى باتوا يسكنونَ عقول الناشئة حاضراً و مُستقبلاً! واللهُ أعلَمُ وأحكَم!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى