السجين

[review]عامر ملكاوي – laquo;هنا فقط، يمكنك أن تشعر بالزمن، فأنت خارج حساباته؛ وبالمكان، لأنه محصور بك.. وهنا أيضا، يمكنك أن تعترف بوجود ذلك الكائن، الذي هو أنت، وتمنحه حقه المسلوب، فتحتضن آلام جسده المنهك، وتربت على أحلام نفسه المدفونة في الأعماق، وتصغي خاشعا، لنداءات روحه الجامحةraquo;.هكذا خاطب نفسه بعد سنين طويلة، قضاها وحيدا بين جدران الزّنزانة.اقترب موعد إطلاق سراحه، ولم يهدر من الوقت في التفكير بالظلم الذي وقع عليه طيلة فترة سجنه، بقدر ما صرفه في تخيّل نفسه، ذلكَ الطائرَ، المنعتق من قفصه، يحلّق عاليا في السّماء، بكامل زهوه وفرحه، يستمتع برحابة الأفق الممتد أمامه بلا نهاية، غير آبه بما يجري على الأرض، تحته.حان الوقت لمغادرة الزّنزانة، ولم يكن هناك من يودّعه ويلقي عليه التحيّة الأخيرة، سوى طائره الذي ملأ رسمه جدران الزنزانة. تأمّله بود، ثم غادره ملوّحا، وقد تسلل الحزن من أكمام الوداع.حال خروجه من السّجن، انطلق من فوره، قاصدا سوق الطّيور. ابتاع طائره الحبيس، الذي كثيرا ما نذر بإطلاق سراحه، متى نال حرّيته. اصطحبه إلى أحد الجبال النائية، بعيدا عن اكتظاظ البشر، وصعد به إلى القمّة. ما إن لامست يده باب القفص حتى اشتدّ خفقان قلبه، واجتاحته عاصفة من الأحاسيس المختلطة، صَعُب عليه تفسيرها.انفتح باب القفص على مصراعيه، فانطلق الطائر دون تردد محاولا التحليق، لكنّ جناحَيه اللذين لم يعتادا الطيران منذ زمن طويل، لم يساعداه على المضيّ في الارتفاع، وسرعان ما بدأ يهوي نحو الأرض، إلى أن اختفى عن بصر صاحبه بين الصّخور.أحسّ الرّجل بكثير من الضيق لما آلت إليه حال طيره المحرّر، فألقى بجسده على الأرض، وراح يحدّق في السماء، إلى أن كادت نوبة من النّعاس تتمكّن منه، لولا صرخة مدوّية امتدّت إلى أذنيه، فأعادته ثانية إلى وعيه. حاول أن يتحسّس ببصره مصدر تلك الصّرخة، لكنه لم يشاهد سوى صقر ضخم، يمضي في البعيد.

الراي
8-6-2012

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى