
بكاءٌ على شفاه الضحك
شبلي العجارمة
لأول مرةٍ أجدني في حالةٍ من الإحباط اللغوي ، والإعياء
التعبيري ، وكأنني لو لم يسبقني محمد مهدي الجواهري لبيتيه الشهيرين لكنت قلتهما أنا حين أبدع الجواهري عندما قال :
لم يبق عندي ما يبتزه الألم
حسبي من الموحشات الهم والهرم
وحين تطغى على الحران جمرته
فالصمت أبلغ ما تطوى عليه فم
ذات مرةٍ حاول أحد أجدادي أن يجيرني من عقاب أبي لي ؛ عندما اشتكى له أحد أقاربي المزارعين من أن غنمي نفشت في حرثه ، فقال لي جدي سوف تبيت الليلة عندي ، وفي الصباح الباكر كان جدي قد ذهب إلى مادبا واشترى لي من إحدى البالات بنطالٌ من نوع الشارلستون ذو الخصر الضيق والواسع الأردان من الأسفل ، حتى أن البنطال كان أكبر من مقاسي بكثير .
كان جدي قد ألح علي بضرورة التخلي عن ملابس والدي لإعلان الاستقلال الذاتي واللجوء إلى بيت جدي ، كنت أجامل جدي وأرتدي البنطال لبضع دقائق ، حتى أنني حين حاولت امشي به ذات يوم فتشركلت وتعثرت وسقطت على وجهي .
تمامًا يعيدني هذا المشهد من تلك الممارسات والمحاولات الفردية في تلقيمنا قناعات لا ترتكن لأية واقعية ، ثلة تحاول الاستحواذ على كل منابر الوطن وإصدار صكوك الوطنية المزاجية ، قد وصلت لحد التكفير الانتمائي والولائي والوطني ؛ مما قد يحدث شىرخًا لا أحد يحبذه ، وصدعًا في الحالة الوطنية التي هي أمس ما تحتاج إليه في هذه المرحلة العصبية لرأب أي صدع أو محاولة تشتيت الجهود ، وذلك باستعراض عضلات الجهل الوطني القطنية ، فئة تستخدم خاصية النسخ واللصق والتقليد لركوب موجة الأنا وليس سفينة الوطن الحقيقية .
تغيب رواية الحكومة ، وتحضر أزمة الثقة في انكشافٍ غير مسبوق ما بين المواطن الذي قبض على جمرٍ أحرِّ من هذا الجمر ليبقي على استقرار هذا الحمى قرابة المئة عامٍ ونيف ، يتخندق الإعلام خلف شخصياتٍ سوادها الأعظم يحمل سيرةً ربما مشوهة وهو يحمل أناه ولا غيرها بين فكيه وشدقي صف الكلام وحسب .
احتكار الشاشات والاستحواذ على كل المايكات لأشخاص أقل من أصابع الكف الواحدة ينبىء بالمزيد من أزمة الثقة التي يعزف بها الناي الرمادي والأصابع السوداء ،وذلك بمصادرة التعاطف مع جوهرة الصراع الكوني ، ونقطة الخلاف المركزية التي لا زال وطننا العربي برمته يدفع ثمنها ألا وهي القضية الفلسطينية ، وقد تمت إبادة شعبٍ ومصادرة تاريخه ووطنه ، ولا زال المتحدث المجاني باسم الوطن فقط يمنعه الخجل من التعاطف العلني مع الكيان الصهيوني.
أطراف النزاع على طاولة المقايضات والمفاوضات،و لغة التهديد من الزئير باتت تنخفضت إلى معاعاة ديوكٍ عند الفجر بين الطرفين ، وأصبح مضيق هرمز جوهرة الصراع وبيضة قبان الحرب ، فلا مصالح عربية تلوح في الأفق ، فقط إثبات وجود تفوقٍ رغم ثخانة جراح الأطراف المتنازعة ، فلن تنخفض السلع ، ولن يتم تخفيض الضرائب، ولا حتى التراجع ولو ببدائل لقرار الضمان الاجتماعي المجحف والظالم على أقل تقدير .
حالة التشتت والتشظي التي يعيشها الجميع والتي اختزلت ملفات الوطن الأهم والتي على رأسها المؤسسة التشريعية التي باتت تشكل حملًا ثقيلًا على عاتق الشعب الأردني ، وكذلك فقدان بوصلة الثقة والتيه بين الإعلام الرسمي ومدى تصديق الشعب لغالبية كل ما يتم بثه والتصريح به .
يقف الجميع في حيرة ما يحدث ، بين تاجرٍ محترف يهتف باسم البطولة والوطن ،ويقوم برفع السلع المنسية لحدودٍ تفوق تصور العقل ، وبين من يلصقون جريمة الشماتة بالكيان الصهيوني حين يتألم ، وبين حزمة من التحليلات التي لم تضع في أبسط أولوياتها نصائح لساسة الوطن ، والتحذير من مغبة اللعب بالهوية الوطنية ، أو حتى وضع تصورٍ حقيقي لفرضيات الاحتمال ما بعد انتهاء الحرب الدائرة، وحتى مواعظ سياسية لتغيرر قواعد التحالفات التي تراعي المصلحة الوطنية العليا بالدرجة الأولى والأخيرة.
جميعنا يؤمن بأن من يقف في صف أحد أطراف النزاع كالمستجير من الرمضاء بالنار، وإن كانت الحلول تصل إلى حد الوجع ؛ فعلى الدولة بكل أطيافها مراجعة السياسات العامة ، والقيام بجردة حساب ومعالجة الأسباب قبل الوجع ، لأن معالجة الألم دون استئصال الأسباب هي محض قصة اكتوارية ، وساقية ماء ،أو رحى تطحن القمح مع الزوان والأتربة والحصى !

