
“الغريب” في مسرح الرحابنة … وواقعنا
ثمة خيط غليظ يلظم معظم مسرحيات الرحابنة والسيدة فيروز وسكتشاتهم الغنائية الرائعة، وهو بكل تلخيص، الغريب، ……الغريب الذي يدخل الى القرية ، فيعكر اجواءها ويشوه حالة الصفاء والمحبة والمودة المتواجدة بين الناس في القرية ، وهنا تكون حبكة المسرحية .
يشي موضوع الغريب ، عن اعتقاد ، لا بل قناعة، بأننا في الواقع والحقيقة انصاف ملائكة وكائنات متحابة متعاضدة متساندة، لكن الغريب هو الذي يخرب هذا الصفاء ويشوه هذه المحبة …وبدون تدخلات هذا الغريب نحن نعيش في حالة مثالية تماما!.
انا لا ألوم السيدة فيروز، ولا السادة الرحابنة، فكل ما عملوه هو انهم عبّروا ، بأبداع، عن فكرة مغلوطة نتعاطاها جميعا – نحن العرب العاربة والمستعربة والمستغربة- ونحن ندرك عدم صحتها تماما، لكننا نلجأ اليها دائما، حتى لا ننتقد انفسنا،ولا نزجر ذواتنا، ونحيل أصول مشاكلنا بين بعضنا الى تدخلات الآخر…الى الغريب.
دائما ثمة مؤامرة علينا ، دائما ثمة دولا وشعوبا تغار من عشقنا لبعضنا، فتدخل مثل الأسافين، وتفرق بيننا ، وتجعلنا نتقاتل ويذبح بعضنا بعضا، ويطعن بعضنا بعضا في الظهر والبطن والبنكرياس. دائما ثمة غريب..هو سبب مشاكلنا مع بعضنا .
لولا الغريب ، لتحقق التضامن العربي منذ قرون، والوحدة العربية منذ قرون، ولسرنا معا صفا واحدا لتحقيق اهداف الأمة في الإستقلال الكامل والنهوض الإقتصادي والحضاري…وطبعا لحررنا فلسطن ولواء الإسكندرونة والجزر الثلاث وسبتة ومليلة وعربستان، ولا بأس بإستعادة الأندلس، وربما تمددنا على حساب الدول المحيطة ايضا.
اسطورة الغريب هذه ، هي التي تمنعنا من النظر في دواخلنا واستكتشاف مشاكلنا الحقيقية بين بعضنا وبين انفسنا، وتحولنا عبيدا لفكرة حمقاء، تعاملنا معها كحقيقة مطلقة.
طبعا انا لا استطيع ان انكر ان ثم تدخلات خارجية ومؤامرات دولية ،لكن هذه هي طبيعة الحياة على هذا الكوكب، وجميع الدول تتآمر على بعضها، حتى الدول الصديقة .
لكن هذه المؤامرات كانت ستكون اقل جدوى لو اننا، لم نختبئ وراء فكرة الغريب ونقوم بتضخيمها، ونتناسى مشاكلنا الحقيقية بين بعضنا ، ذات المشاكل التي قد ينبشها الغريب للتفريق بيننا.
اذا لم نتوقف عن تصنيف العالم الى سراطين ..نحن من جهة والغريب(كل العالم) من جهة اخرى ….واذا لم نتوقف عن اتهام الآخرين(فقط) بمشاكلنا ومذابحنا الداخلية، واذا لم ننظر الى قضايانا الحقيقية بعين واقعية غير مثالية ، ونحاول حلها بأسلوب واقعي توافقي ، فاننا سنحني ظهورنا طوعا ليركبنا الغريب….. أي غريب .
ghishan@gmail.com


