مطاردة التقرير من المدير إلى الوزير


أ.د. محمد حسن الزعبي


إن مسلسل الأحداث التي ترفع سخط الأردنيين لم يتوقف منذ سنوات ولعل كل فئة من الشعب لها حصتها من الاكتئاب ولكن لا بأس فالدولة لديها مولدات سريعة للأحداث كفيلة بتجديدها بحيث لا يستطيع المواطن التوقف طويلا عند أحدها وإلا فاته الكثير من الأحداث المتتابعة.
في شهر أيار من هذا العام، أي قبل 7 شهور حدث إطفاء شامل ، غطست فيه المملكة بظلام دامس وتوقفت الحياة بشكل كامل لعدة ساعات. توقفت جميع المولدات وباتت شركة الكهرباء الوطنية تبلع ريقها تحاول أن تدافع عن انكشاف عورتها واستنجدت بمولدات الدولة لتنتج لها حدثا سريعا تكف به شر وسائل الإعلام والناس عنها. ومن أجل إسكات هذه الأصوات المقلقة جاء اقترح تعيين شركة تشيزي الإيطالية لدراسة الموضوع والخروج بتقرير يطلع عليه الكل. وعدت شركة الكهرباء الوطنية أمام وسائل الإعلام وفي مكاتبها باجتماع عام حضره جميع المهتمين بالموضوع بإطلاع الكل على التقرير وأنه لا يوجد ما يمكن إخفاؤه وغير ذلك من الوعود التي لم أصدقها ولم يصدقها أحد لخبرة الجميع بالعقلية التي يتمتع بها المسئول الأردني عندما تتكشف عيوبه. الوعد لم يقنع حتى الفنان الكبير موسى حجازين الذي قال في حينها من “تشيسي إذا بتشوفوا اشي”.
ودارت الأيام ومضت الأشهر وأنا وأمثالي من “الهبايل” نسأل أين وصل التقرير حتى تمت المسرحية في مسرح مجلس النواب عندما عرض للسادة النواب تقرير هزيل هو عبارة عن ملخص باللغة العربية بعبارات منتقاة لم يفهم أحدا من الحضور قلب المشكلة ولا جذورها ولماذا حدثت وكيف سنضمن عدم تكرارها وأين الخبراء الذين يقيمون القيمة العلمية لهذا التقرير. إن ما حدث في أيار هو زلزال لاستقرارية الكهرباء في الأردن وهذه الظاهرة من أعقد الظواهر التي تحتاج إلى تحليل عميق ودراسات مطولة. البحث العلمي في هذه الظاهرة لا يقوم به إلا المتخصصون في شبكات الضغط العالي ونظريات الموجات وعلم الاستقرارية . من العيب علميا أن يختزل في بضع شرائح تعرض على أناس غير مختصين. أضحكتم العالم علينا!
أقلقني الموضوع وأقلق فئة كبيرة من المهندسين المهتمين بهذا الموضوع. وعندما علمت بما تم من عرض للموضوع أمام مجلس النواب تواصلت مع عدد من المهندسين في شركة الكهرباء الوطنية ولكن الأصابع كانت تشير إلى الأصبع الأطول في اليد! لا أدري أهو إشارة إلى خوف من الإدارة العليا أم هي إشارة لي بنفس معنى مقولة موسى حجازين.
طرقت باب مجلس النواب أريد التقرير لغايات أكاديمية بحثية تدريسية فلم أجد من يفش الغل ثم توجهت إلى شركة الكهرباء الوطنية لعلي أحصل على التقرير بالواسطة فجاء الرفض بحجة أن الوزارة هي من يملك التقرير. اتصلت مع مكتب وزير الطاقة ووعدوني الوزير شخصيا بدراسة الموضوع والرد. ثم اتصلت مرة ثانية وثالثة وأخيرا أبلغتني سكرتيرته أنه لا يوجد رد . هل هذا يعني أن الوزير غير موافق. قالت يبدو
التقرير كلف الجانب الأردني 86000 يورو دفعت من جيوبنا. أيها القائمون على الموضوع لماذا تخشون من نشر هذا التقرير؟. ألا تخجلون من التباكي على البحث العلمي التطبيقي؟. أم الكلام فقط للمؤتمرات وورش العمل التي تنتهي بالوجبات الفاخرة؟ أم أن الأمر هو مسرحية دجلية لا يهمكم البلد ولا تقدمه ولا رفعته. بالله عليكم لو حدث هذا الإطفاء الشامل عند اليهود غربي النهر أكانوا سيخفون التقرير عن الباحثين والأساتذة في جامعة حيفا أو التخنيوم أو أي معهد تقني متخصص في أنظمة القوى الكهربائية. لو كانوا طرفا” في هذا الحدث لنشروا التقرير كاملا” وتمكنا من الإطلاع عليه.
والله إني لأشعر وزملائي بالخجل ونحن ” نشحد” تقرير علمي يخص بلدنا بينما يدفع الآخرون للباحثين مبالغ محترمة مقابل رأيهم العلمي ومراجعة تقاريرهم. في عام 2003 دعيت من قبل مؤسسة الأبحاث الألمانية في مدينة كسل وعملت معهم أوراق علمية لمدة 4 شهور. في أول يوم وصلت به أعطوني نسخة كاملة عن مفاتيح المكتبة وغرفة الحاسوب وجميع المرافق المهمة في المعهد حتى أبدأ العمل وأبحث.

ياللعار!!!

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى