بين الخيال والحقيقة / أشرف الجمّال

بين الخيال والحقيقة

قبل أذان الفجر بنصف ساعة يستيقظ أبو محمد علي منبه ” الخلوي أبو لمبة ” القديم ويوقظ زوجته بهدوء حتى لا يستيقظ أطفاله الثلاثة الذين ينامون معهم في نفس الغرفة ، يتوجهان إلى المطبخ وتخرج أم محمد ” الطنجرة ” من خلف الستار الموجود تحت ” المجلى ” وتبدأ بتعبئتها بالماء بينما أبو محمد يتناول ” طبق البيض ” الموجود خلف نفس الستار ويبدأ بوضع البيض في ” الطنجرة ” وبعد الإنتهاء من المهمة تشعل أم محمد النار تحت ” طنجرة البيض ” بعود الثقاب وتبدأ بغسل البندورة والخيار وتجهيز باقي ” العدة ” بينما صديقنا أبو محمد يتوضأ استعداداً للذهاب إلى المسجد ليصلي الفجر .

بعد أن عاد أبو محمد من المسجد وجد زوجته قد حضرت جميع ” الأغراض ” اللازمة والبيض ” استوى ” .. بدأ بوضعها جميعاً على ” العرباية ” وعند الإنتهاء و ” التشييك على الوضع ” خرج من بيته مع كلمة ( يا الله ) وزوجته تدعو قائلة ” الله يوفقك ويرزقك ويبعد عنك أولاد الحرام ” ..

يمشي صديقنا أبو محمد بين أزقة ” الحارة ” وهو يدفع ” العرباية ” متوجهاً إلى السوق التجاري ” اللي بآخر الحارة ” ليأخذ من مخبز الجوهرة ” خبز الكعك ” المعروف والذي نصنع منه ” السندويشات ” ومن سوبر ماركت صطيف علبتين جبنة ” أبو الولد ” ومن مطعم القدس ” بنص ليرة فلافل ” ويرتب جميع الأشياء التي اشتراها ويضع كل شيء في مكانه على ” العرباية ” ويكمل طريقه ولكن بسرعة لأنه قد يتأخر في الوصول ..

مقالات ذات صلة

بعد نصف ساعة من المسير المتعب يصل صديقنا أبو محمد إلى الزاوية التي يقف بها عند طلاب الجامعة في مجمع الباصات ليبدأ عمله على الفور فزبائنه بانتظاره .. يبدأ بالعمل وتحضير سندويشات البيض والجبنة والفلافل مع البندورة والخيار على أنغام ” فيروز ” في مشهد رائع ..

أصبحت الساعة الآن الحادية عشر ، وأبو محمد ” نفّق الكعكات والله جبر ” وبدأ بالإستعداد للعودة إلى البيت مرورا بسوبر ماركت صطيف ليشتري ” طبق بيض ” جديد لليوم التالي وبعض حبات البندورة والخيار من ” عرباية ” أو ” بسطة ” بين أزقة الحارة وبعض المستلزمات لوجبة الغداء ..

وصل إلى البيت وكان بانتظاره زوجته وأطفاله بعد أن عادوا من المدرسة ، وعلى الفور أخذت أم محمد الأغراض لتبدأ بتحضير الغداء وهي تقول ” الله يعطيك العافية يا رب ” ، ويبدأ بملاعبة أطفاله وسؤاله لهم عن أخبار الدراسة ريثما تجهز ” المجدّرة ” ..

وكأي يوم آخر تمضي الساعات المتبقية من النهار إلى أن يحل الليل وتبدأ الإستعدادات للنوم والراحة ليوم جديد ككل يوم لجميع أفراد هذه العائلة الرائعة .. وقبل أن يستلقي صديقنا أبو محمد بجسده المتعب على فراشه يضع الخمسة دنانير كالمعتاد في ” الحصّالة ” التي يفتحها آخر الشهر ليدفع ايجار البيت والكهرباء والماء ، وما تبقى معه من دنانير يبقيها في جيبه ليشتري بها صباحاً ” الكعك والجبنة والفلافل ” …

انتهت القصة ..

هذه القصة كتبتها من وحي الخيال لكنها حقيقة الكثير والكثير من الأسر العفيفة التي لا مصدر للدخل لها إلا هذه ” العرباية ” أو تلك ” البسطة ” ، يعيشون بهدوء وقناعة بما قسم الله لهم من هذه الدنيا من رزق وحظ دون تأمين صحي أو ضمان إجتماعي .. أو حتى أي ضمان للمستقبل المجهول ..

قرار الحكومة الأخير بإلزام أصحاب ” البسطات والعربايات ” بدفع رسم سنوي لترخيصها سوف يكون له تداعيات كبيرة على شريحة واسعة من هؤلاء الذين يمتهنون البيع بهذه الطريقة ( ومثال على ذلك صديقنا أبو محمد ) ..

نحن جميعاً مع قوانين لتنظيم هذه الأنشطة البيعية لكن ليس مع قوانين تزيد على أصحابها أعباء هذه الحياة التي تزيد يوماً بعد يوم ولم يعودوا يحتلمونها !!
Ashraf M Aljammal
Ashraf

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى